مع تسارع انتشار الذكاء الاصطناعي، يتزايد الجدل حول أفضل طريقة لتنظيمه. يقترح سام ألتمان إنشاء هيئة دولية على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما يفضل ديميس هاسابيس نموذج الهيئات التنظيمية المالية، ويرى داريو أمودي أن الإشراف يجب أن يشبه آليات اعتماد الطيران. 

جميع هذه المقترحات تنطلق من فكرة واحدة: المزيد من الهيئات الحكومية والمزيد من البيروقراطية. أما أستاذ القانون جلين رينولدز فيطرح مقاربة مختلفة تماماً: دعوا القانون العام والمحاكم يتوليان المهمة.

أصبحت هذه الفكرة أكثر إلحاحاً بعد حادثة انتحار المراهق الأميركي سيويل سيتزر عام 2024 عقب علاقة افتراضية مع روبوت محادثة. فقد دفعت القضية إلى التساؤل عما إذا كانت مخرجات الذكاء الاصطناعي مجرد «خطاب» تحميه حرية التعبير، أم أنها تحمل مسؤولية قانونية عندما تؤثر مباشرة في حياة المستخدمين. 

Ad

وانتهت القضية بتسوية من «غوغل»، في خطوة عكست حساسية المخاطر القانونية التي تواجه شركات الذكاء الاصطناعي.

يرى رينولدز أن الحل يكمن في إخضاع أنظمة الذكاء الاصطناعي لـ«واجب ائتماني» (Fiduciary Duty)، أي التزام قانوني يفرض عليها العمل لمصلحة المستخدم، لا لمصلحة الشركة المطورة. 

فإذا قدّم النظام استشارات قانونية أو طبية أو مالية أو نفسية، فينبغي أن يُعامل كما يُعامل المحامي أو الطبيب أو المستشار المالي، الذين يلتزمون قانوناً بوضع مصلحة العميل فوق أي اعتبارات أخرى.

هذه الفكرة تزداد أهمية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في تقديم النصائح العملية. فقد أظهرت دراسات حديثة أن أكثر من نصف البالغين في الولايات المتحدة وبريطانيا طلبوا بالفعل مشورة مالية من أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيما كشفت أبحاث من جامعة ستانفورد أن النماذج اللغوية تميل إلى مجاملة المستخدمين وإرضائهم أكثر مما ينبغي، لأنها مصممة لتعزيز التفاعل، لا لتقديم أفضل نصيحة ممكنة.

ولا يقتصر القلق على جودة النصائح، بل يمتد إلى المصالح التجارية للشركات المطورة. فهناك اتهامات بأن بعض الشركات تستفيد من بيانات العملاء وملكيتهم الفكرية لتطوير نماذجها، بل إنها أصبحت تنافس عملاءها عبر خدمات متخصصة مثل Claude Legal وClaude Security، وهو ما يثير تساؤلات حول تضارب المصالح.

ويعتقد رينولدز أن فرض الواجب الائتماني قد لا يحتاج إلى تشريع جديد، إذ يمكن أن يتطور تدريجياً عبر أحكام المحاكم، كما حدث مع كثير من قواعد القانون العام. فإذا رأت إحدى المحاكم أن شركة ذكاء اصطناعي قدمت نصائح تخدم مصالحها التجارية على حساب المستخدم، فقد تعتبر ذلك إخلالاً بالواجب الائتماني، وهو سابقة قد تعيد تشكيل القطاع بأكمله.

وبالفعل بدأت هذه المعارك القضائية. فقد واجهت OpenAI دعاوى تتهمها بممارسة الاستشارات القانونية والطب دون ترخيص، ما يشير إلى أن القضاء بدأ يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر من مجرد محرّك بحث أو منصة محتوى.

ولست من أنصار التوسع في الدعاوى القضائية، لكنني أرى أن شركات مثل OpenAI وAnthropic وGoogle وxAI وMeta، بل وحتى النماذج الصينية المفتوحة، قد تجد نفسها قريباً خاضعة فعلياً لواجب ائتماني يفرضه القضاء. وإذا لم تبدأ هذه الشركات بالتصرف وفق هذا المبدأ، فقد تصبح قيمها السوقية الضخمة هدفًا لموجة من الدعاوى القانونية، ربما تفوق في تأثيرها ما واجهته شركات التبغ الأميركية في تسعينيات القرن الماضي.

آندي كيسلر