عندما يُذكر ثراء الدول يتجه الذهن إلى النفط والغاز والمعادن والاستثمارات، وهي جميعها موارد مهمة، لكنها لا تفسر وحدها لماذا استطاعت دول محدودة الإمكانات أن تحقق قفزات كبيرة، مثل سنغافورة وماليزيا، بينما بقيت دول أخرى تمتلك ثروات هائلة دون المستوى الذي تطمح إليه شعوبها والأمثلة في دولنا العربية وغيرها كثيرة.

من يتأمل تجارب العالم يلاحظ أن العامل المشترك في قصص النجاح هو جودة الإدارة، فهي التي تحول الموارد إلى إنجاز، والخطط إلى واقع، والميزانيات إلى خدمات يشعر بها المواطن، ومن هنا أرى أن الإدارة ليست وظيفة حكومية فحسب، بل ثروة وطنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأن الاستثمار فيها ينعكس على كل قطاع من قطاعات الدولة.

ولعل أجمل ما في الإدارة أنها لا تعتمد على اختراع جديد في كل مرة، بل على التعلم المستمر، فالدول التي تتقدم ليست تلك التي لا تخطئ، وإنما تلك التي تستفيد من أخطائها ومن تجارب الآخرين، فتختصر الزمن وتوفر الجهد والمال.

Ad

القرار بداية الطريق

اعتماد مشروع جديد، أو تخصيص ميزانية، أو إصدار قرار مهم، يمثل بداية الطريق وليس نهايته، فالنتائج التي يلمسها المواطن تتشكل من جودة التنفيذ، ووضوح المسؤوليات، والتنسيق بين الجهات، وسرعة معالجة العقبات، والمتابعة المستمرة بمؤشرات أداء شفافة.

ومن واقع ما شهدته في العمل الحكومي، سواء في القطاع الصحي أو في مشروعات وطنية أخرى، خرجت بقناعة أن كثيراً من التحديات لا يرتبط بقلة الكفاءات أو ضعف الرغبة في الإنجاز، وإنما بغياب منظومة مؤسسية تحفظ الخبرة، وتنقل المعرفة، وتجعل كل مشروع نقطة انطلاق لما بعده، لا تجربة تبدأ من الصفر.

الإدارة الناجحة لا تنتهي عند قص شريط الافتتاح، وإنما تبدأ بعده بمرحلة لا تقل أهمية، وهي مراجعة ما تحقق، واستخلاص الدروس، وتحويلها إلى إجراءات عملية يستفيد منها الجميع.

لابد لكل مشروع أن يترك درساً

لا توجد دولة تخلو من مشروع تأخر، أو مشروع ارتفعت تكلفته، أو مشروع واجه تحديات لم تكن في الحسبان. هذا يحدث في كل مكان، لكنه لا يتحول إلى مشكلة دائمة إلا إذا مرت التجربة دون مراجعة.

فعندما يتأخر افتتاح مطار، أو يستغرق تنفيذ طريق سنوات أطول من المخطط، أو يتأخر تشغيل مستشفى جديد مثل مستشفى جابر فإن أول المستفيدين من معرفة الأسباب يجب أن تكون الدولة نفسها. هل كانت المشكلة في الإجراءات؟ أم في العقود؟ أم في التصميم؟ أم في ضعف التنسيق؟ أم في تعدد الجهات صاحبة القرار؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تهدف إلى البحث عن مسؤول نعلّق عليه الخطأ، وإنما إلى بناء معرفة مؤسسية تمنع تكراره، وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يصبح فيه إصدار تقرير ختامي بعد كل مشروع وطني كبير ممارسة ثابتة، يتضمن ما تحقق، وما تعثر، وأسباب ذلك، والدروس المستفادة، فهذه التقارير ليست أوراقاً تحفظ في الأرشيف، وإنما بنك خبرات وطني يختصر الطريق على من يأتي بعدنا.

المواطن هو المقياس

المواطن لا يقرأ محاضر الاجتماعات، ولا يعرف عدد اللجان التي اجتمعت، ولا يطالع المراسلات بين الجهات الحكومية، ما يراه هو النتيجة.

يريد طريقاً آمناً، ومستشفى يعمل بكل طاقته، ومطاراً يقدم خدمة تليق باسم الكويت، ومعاملة تنجز في الوقت المعلن، هذه هي الصورة التي يحكم من خلالها على أداء مؤسسات دولته.

ولهذا أصبحت الدول المتقدمة تعتمد على مؤشرات أداء واضحة، ومراجعات دورية، وبيانات دقيقة تساعد متخذ القرار على اكتشاف مواطن الخلل مبكراً، قبل أن تتحول إلى مشكلات أكبر. فالإدارة الناجحة لا تبحث عن الكمال، لأن الكمال غير موجود، لكنها تحرص على أن يكون كل مشروع أفضل من سابقه، وأن تكون كل تجربة إضافة جديدة إلى رصيد الدولة من الخبرة.

فرصة تستحق البناء عليها

الكويت تمتلك اليوم فرصة حقيقية لتعزيز كفاءة الإدارة الحكومية، مستفيدة من الكفاءات الوطنية، والتطور التقني، والإرادة الواضحة للإصلاح ولتطوير الأداء العام، وهذه فرصة تستحق أن تتحول إلى ثقافة مؤسسية راسخة، يكون التعلم فيها جزءاً من العمل اليومي، وتصبح مراجعة التجارب عادة لا استثناء. إذا المطلوب تقرير شفاف ومعلن في نهاية كل مشروع.

وأحسب أن من واجب كل من عمل في الشأن العام أن يدعم هذا التوجه، وأن يشارك بخبرته، وأن ينظر إلى كل مشروع بوصفه فرصة للتطوير قبل أن يكون مجرد إنجاز. فالإدارة الرشيدة ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما ثقافة وطنية يشترك في بنائها الجميع.

التاريخ لا يتوقف كثيراً عند حجم الميزانيات التي أُقرت، وإنما يتذكر ما أحدثته تلك الميزانيات من أثر في حياة الناس. والدول التي رسخت مكانتها لم تعتمد على وفرة الموارد وحدها، وإنما على إدارة أحسنت استثمار تلك الموارد، وتعلمت من تجاربها، وطورت أداءها عاماً بعد عام.

* وزير الصحة الأسبق