«التعليم هو السلاح الأقوى الذي يمكنك استخدامه لتغيير العالم» (نيلسون مانديلا).

مرّ الخبر، كغيره، سريعاً ومختصراً، بل حُشر بين مجموعة من المواضيع والأحداث الأخرى، وفي الختام يستحوذ الفنانون والفنانات، سواء في حفلاتهم أو حتى جولاتهم، أو طلاقهم، أو إنجابهم، أو حملهم، على المساحة الأكبر. كل هذه الأخبار يُعاد تداولها سريعاً ويعلّق عليها المشاهدون والمستمعون والقراء فيما بينهم، أما ذاك الخبر الذي قال إن الطيران الإسرائيلي عاد مرة ومرات، بعدما لم يترك حجراً فوق حجر، ولا شجرة، ولا مزرعة، ولا حتى ملامح للأرض وما عليها في جنوب لبنان، فقد عاد ليبيد كل المدارس. يطاردها الواحدة تلو الأخرى، ويعيد الكرّة حتى لا تبقى سبورة، ولا طبشور، ولا قلم، ولا ورقة.

هذه حرب على الحياة بكل تنوعاتها، فهم يقولون: لن تستطيعوا أن تعودوا، حتى لو حاولتم، فبعد أن عاد بعض أهل الجنوب اللبناني لتفقد ضيعهم وبلداتهم، وبحثوا بين الركام، خلف الركام، عن أي علامة صغيرة تشير إلى أنه هنا كان بيتهم العامر بالحياة بكل تنوعاتها، وبعد أن يئسوا هم وجيرانهم قرروا أنهم سيعودون حتماً رغم كل شيء، وسينبشون الأرض لرسم حدود وتضاريس البيوت والجوامع والكنائس، والمقاهي، والمستشفيات، والمدارس، فهم، كما الفلسطينيين، يعلمون أن خلاصهم في تعليم أبنائهم، فتربى جيلٌ خلف جيل يرحل مبكراً لطلب العلم. 

Ad

ثم ارتحلوا بعيداً طلباً للرزق عندما عاد العدو مرة ومرات يحرق الزرع ويقتلع كل مظاهر الرزق. بقوا هم، كما أهلهم وأهلنا في غزة، يعرفون أن الصمود والبقاء أصعب بكثير، ولكنهم قسموا الأدوار، هنا من يزرع وينتج، وهناك من يرحل ليرسل ما يستطيع من دعم لأهله وأقاربه، فتبقى الحياة، وتعمر الضيع والبلدات، وتكبر وتتوسع.

بل إن أهل الجنوب وغزة علّموا العالم كيف يسرقون الضحكة من بطن الوجع، وكيف يحافظون على علمهم ومعرفتهم، ويتسابقون لينقذوا الكتب وينالوا الشهادات. ألم يثر فينا جميعاً ذاك المشهد على شاطئ غزة، والطلاب الغزّاويون يقدمون امتحاناتهم بمستوياتها المختلفة؟ وصديقتي تقول لي إنهم هناك متعطشون إلى المعرفة والعلم، إلى درجة أن أي مشروع يُقدَّم يتهافت عليه الكثيرون، وهم بالطبع محاصرون بين البحر والقذيفة، يحملون أمعاءً خاوية، ويبحثون عن كسرة خبز هنا، أو بعض الأسماك، إذا لم تطاردهم قوارب الإبادة المنتشرة في المتوسط، والمستبيحة للبحر والسماء في فلسطين، ولبنان وسورية والأردن.

هم يكررون أمام عدسات الكاميرات وفي المحافل الدولية أن الفلسطينيين والعرب يربون أبناءهم على كراهية «اليهود»، ويرددونها مرة ومرات، ويتبعونها بأنها معاداة للسامية، ولكن هذه السردية تحطمت أمام حرب الإبادة في غزة وجنوب لبنان، حتى أصبح العالم أكثر وعياً، ربما إلا البعض هنا وهناك، ومنهم بعض الناطقين باللغة العربية والمنتمين إليها.

وساهموا بطرق كثيرة، وربما ملتوية أيضاً، في تغيير مناهج كثير من مدارسنا، وقد استطاعوا ذلك عبر منظمات ومؤسسات وممولين وبيوت خبرة. وفيما هم يغيرون مناهجنا، يراقب العالم كمية الكراهية التي تُدرَّس لأطفالهم، والتي يُربَّون عليها ليصبحوا جميعاً صهاينة يعشقون القتل، وابتكار وسائل التعذيب والموت. فبهدمهم المدارس يعلمون أن الهدف ليس المبنى، بل الإنسان والعقل الذي تبنيه المدرسة.

* يُنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية