إن الدبلوماسي ليس موظفاً عادياً يسعى في روتين السفارة وأروقتها، بل هو الوجه الذي تتنفس به دولته في العالم الخارجي، والواجهة المضيئة التي تعكس هيبة الوطن وكرامته لدى الدول والمنظمات. وإذا كانت الدولة تسدد خطاه بالرعاية الشاملة، وتتكفل بدعمه المادي والمعنوي، فإن كبر العطاء يوجب كبر الأداء، ويقتضي أن يكون هذا الدبلوماسي نموذجاً يليق بعظمة الأمانة.
فلا يتصور دبلوماسي كويتي ناجح يشار إليه بالبنان، إلا إذا كان عارفاً ومتبصراً بتاريخ الكويت المجيد، ومطلعاً بوعيٍ على أحوالها السياسية والاجتماعية، ومتابعاً ذكياً لما يدور في العالم من أحداثٍ دوليةٍ تتأثر بها بلاده. إن عليه أن يحيط بظروف وطنه إحاطة الفاهم الدقيق، ليشارك بفاعلية في المؤتمرات والفعاليات، مدافعاً عن قضايا الوطن بروحٍ حريصةٍ وعقلٍ راجح.
ولن يبلغ المبعوث هذه المنزلة إلا بالسعي المستمر في الازدياد من العلم، بالإلمام باللغات الحية كالإنكليزية والفرنسية، والتمكن من أدوات الثقافة الرقمية ومهارات التواصل، ليدخل ساحات التأثير العصرية. كما أن التحلي بالإيجابية يفرض عليه بناء شبكة قوية من العلاقات مع النخب السياسية والأكاديمية والإعلامية في بلد المقر، ومتابعة كل ما يثار إعلامياً أو يطرح في الفعاليات والاستقبالات الرسمية وغير الرسمية، مما يمس سمعة الكويت أو قضايا الخليج والمنطقة. فالثقافة الواسعة والاطلاع الدائم هما السلاح الذي يرد به الشبهات ويدفع به عن وجهة نظر وطنه بكل اقتدار.
ولنكن صرحاء، فالكويت لا تحتاج إلى المنافقة والمجاملة على حساب كرامتها وقضاياها، ولا نفع في من يتولى منصباً دبلوماسياً شريفاً، ينعم برعاية الدولة وسخائها، ثم يظهر مقصراً خاملاً لا يقدم إضافةً حقيقيةً لبلاده. إن الميدان اليوم ميدان منافسةٍ ثقافيةٍ وظهورٍ إعلاميٍ حاسم، ولا مكان فيه للضعفاء أو الخاملين.
من هنا، يقع على عاتق وزارة الخارجية واجب أكيد، بتبني دوراتٍ تدريب مستمرةٍ تصقل مهارات منتسبيها، وتقويم أدائهم بمعيار الأثر الخارجي الحقيقي، ما ينجزونه خارج المكاتب لا داخلها. كما ينبغي للدبلوماسي أن يكون صانع نشاطٍ ثقافيٍ واجتماعي، برعاية الندوات والفعاليات في المناسبات الوطنية والدينية، ليظل اسم الكويت حاضراً بجمال أدبه وعمق ثقافته.