الوصف: بين بريق القرار وكلفة المآل، قراءة في الخصخصة والتأميم، فليست العبرة بانتقال الملكية، بل بما يتركه من أثر.

شهدت الخصخصة سياقاتٍ أفضت إلى تحقيق مقاصد الصالح العام، فقد شهدت، في المقابل، أضعاف ذلك من التطبيقات التي لم تُثمر إلّا نفعاً خاصاً. فالخصخصة - تلك الأداة الاستراتيجية المعنية بنقل الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص، سواء بصورة مباشرة أو عبر الاكتتاب العام - سلاحٌ ذو حدّين، إذ لا تستمد وجاهتها من مجرد استخدامها، بل من الغاية التي تُسخَّر لها، ومن الإطار الذي يحكم تطبيقها.

ولسنا اليوم بصدد استقصاء ما قد يترتّب على استخدامها من تبعات سلبية، فهي، من حيث المبدأ، ضربٌ من الاستقلال عن الأصل. والاستقلال، في شتى شؤون الحياة وعلومها، لا يعدم حجةً تُسوّغه متى ما نُظر إليه من زاوية ضيقة، ولا يفتقر، بطبيعة الحال، إلى من يصفّق له. فالخصخصة من المفاهيم التي قد تستميل القلب قبل أن يستوفيها العقل فهماً وتمحيصاً.

Ad

أما الميل إلى الجمع والاندماج، وصولاً في سياقنا إلى التأميم، فقد يستميل العقل قبل القلب، لما يوحي به من جمعٍ للقوة، ووحدةٍ في الغاية والمصير. غير أن الخصخصة والتأميم لا يستحقان صدارة الحكم الإيجابي لذاتهما، وإنما يُوزن كلٌّ منهما بمقدار ما يحقق من غايات، فلكلٍّ منافعه، ولكلٍّ تبعاته وأكلافه. ومن هنا تنشأ الأسئلة الأولى التي لا يستقيم القرار من دونها: لماذا الآن؟ وما المنافع المرجوّة والتكاليف المتوقعة على المدى البعيد؟ ثم، قبل ذلك كله وبعده: هل ينسجم المسار المختار مع الغاية؟

يسهل على التأميم والخصخصة أن يحضرا في السياسات الحكومية مسنودين بحجج تبدو وجيهة، ذلك أن مرتكزاتهما غالباً ما تقوم على معطيات تتعذّر موازنة آثارها على نحوٍ حاسم، ولا سيما في المدى البعيد. وهنا تتجلّى حكمة المتأنّين في إبداء الرأي، فلا يندفعون يمنةً أو يسرةً وراء بريق الحجة الآنية، إذ قد لا ينكشف صواب المسار من خطئه إلا بعد مضيّ أعوام على تطبيقه.

فإن جاءت الخصخصة، على سبيل المثال، بقصد تحسين أداء قطاعٍ يقوم على خدمة الجهات الحكومية، ويستمد نشاطه من إنفاقها، فلا ينبغي عدّها، أيضاً، خطوةً في سبيل استدامة المالية العامة. فهي، في هذا النطاق، لا تمنح الدولة على المدى القصير سوى إيرادٍ رأسمالي لمرة واحدة، في مقابل تخلّيها عن أصول وأرباحٍ مستقبلية متكررة لم يُحط بقيمتها بعد. أما في النطاق الأوسع، فإن ما ينهض به هذا القطاع من توظيفٍ للمواطنين يظل، في نهاية المطاف، قائماً على الإنفاق الحكومي ذاته، مضافاً إليه ما تنازلت عنه الدولة من عوائد كان يمكن أن تتدفق إليها على نحوٍ دائم. وهنا تتأكد ضرورة القراءة المتأنية، التي توازن بين المنفعة المرجوّة، والمتمثلة في تحسّن الأداء، وبين الكلفة الدائمة، وهي ما جرى التنازل عنه منذ اليوم الأول للشروع في هذه الاستراتيجية.

ولنا أن نتصوّر، في هذا السياق، ما لا يُحصى من الدوافع التي قد تُستدعى لأجل الخصخصة أو التأميم، وما يقابل كلّاً منهما من كلفةٍ دائمة. فهما استراتيجيتان قد تبدوان يسيرتين في الإقرار والتنفيذ، سريعتَي الأثر في ظاهرهما، غير أن تبعاتهما غير المباشرة والممتدة في الزمن قد تكون أعمق أثراً، وأشد وطأةً، وأبعد مدى من كل ما يظهر في البدايات.

فاللهم أبرم لهذه الأمّة أمر رشد...