حذر تقرير جديد من احتمال عودة وباء الإيدز إلى الانتشار في ظل عدم تكافؤ فرص الحصول على أدوية الوقاية الثورية والتراجع الحاد في التمويل العالمي. كما حذر من أن أكثر من 3 ملايين شخص قد يُصابون بالإيدز، بحلول نهاية هذا العقد.
وجاء التحذير بالتزامن مع افتتاح المؤتمر الدولي الـ26 للإيدز في ريو دي جانيرو،
ونبه التقرير إلى أن الأدوات اللازمة لوقف هذه الأزمة موجودة بالفعل، بدءا من أدوية الوقاية المبتكرة وصولا إلى التدخلات التي تقودها المجتمعات المحلية والتي أثبتت فعاليتها. وما ينقص هو التمويل المستدام.
وفقا للتقرير الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية الإيدز، فإن الفجوة المتزايدة في التمويل تجبر البلدان بالفعل على خفض الخدمات الأساسية وإغلاق منظمات مجتمعية. وحذرت البرنامج من أنه ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة، فإن العالم يسير نحو عودة انتشار الوباء.
وهذا التناقض هو السمة الأبرز للمؤتمر الدولي الـ26 للإيدز، المنعقد في ريو دي جانيرو بالبرازيل في الفترة من 27 إلى 31 يوليو.
فمن جهة، يشهد العالم ثورة في مجال الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية، إذ توفر جيل جديد من الأدوية حماية من الإصابة بالفيروس تضاهي في فعاليتها الحماية التي توفرها اللقاحات.
ومن جهة أخرى، تتزايد المخاوف من أن تظل هذه التطورات بعيدة المنال بالنسبة لملايين الأشخاص بسبب ارتفاع أسعارها وخضوعها لبراءات اختراع تسيطر عليها شركات الأدوية.
وتجسد البرازيل، الدولة المضيفة للمؤتمر، هذا التناقض بوضوح. فعلى الرغم من أنها أدت دورا مهما في التجارب السريرية التي ساعدت على طرح دواء لينكابافير في الأسواق، فإنها استُبعدت من قائمة البلدان المصرح لها بإنتاج نسخ جينية منخفضة التكلفة من الدواء.
ولينكابافير دواء طويل المفعول يُعطى عن طريق الحقن، ويتطلب حقنتين فقط سنويا، ويمنع الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية في نحو 100 في المائة من الحالات، وفقا لأحدث الدراسات.
وخلال فعالية جانبية نظمتها مجموعة البلدان الناطقة باللغة البرتغالية، قال نائب رئيس الجمعية البرازيلية متعددة التخصصات للإيدز إن «الوصول العادل والعالمي لا يزال واقعا بعيد المنال بالنسبة لملايين الأشخاص بسبب ارتفاع الأسعار واستبعاد العديد من البلدان من اتفاقيات الترخيص الطوعي».
وأضاف فاريانو تيرتو أن براءات اختراع الأدوية الأساسية «تعمل على تعزيز الاحتكارات وخصخصة المعرفة العامة».
وكانت الجمعية البرازيلية متعددة التخصصات للإيدز، وهي إحدى الجهات المشاركة في تنظيم المؤتمر، قد نشرت مؤخرا دراسة أظهرت أن البرازيل قادرة على تصنيع لينكابافير محليا بتكلفة أقل من 75 دولارا للمريض سنويا. في المقابل، تبلغ تكلفة النسخة الخاضعة لبراءة الاختراع أكثر من 20 ألف دولار، وهو سعر تعتبره غير مستدام لنظام الصحة العامة في البرازيل.
ووجهت المديرة التنفيذية لبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية الإيدز، ويني بيانييما، رسالة قالت فيها: «الابتكار من دون إتاحة ليس ابتكارا، بل هو ظلم».
وأضافت أن «المقياس الحقيقي للنجاح لا يكمن في وجود الأدوية فحسب، بل في قدرة الأشخاص الذين يحتاجون إليها على الحصول عليها فعليا، وبسعر ميسور».
ويقدر برنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة البشرية الإيدز أن 20 مليون شخص يحتاجون إلى الحصول على وسائل الوقاية القائمة على مضادات الفيروسات القهقرية إذا كان العالم يريد خفض الإصابات الجديدة بشكل كبير.
ورغم أن الإصابات بفيروس نقص المناعة البشرية والوفيات المرتبطة بالإيدز بلغت أدنى مستوياتها منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإن الاستجابة العالمية لا تزال هشة بشكل خطير.
فقد ارتفعت الإصابات الجديدة بفيروس نقص المناعة البشرية في ثلاث مناطق و21 بلدا خلال عام 2025.
وانخفض التمويل الدولي لمكافحة الفيروس بأكثر من 1.5 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، أي بنسبة 18 في المائة، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من عشرين عاما.
وفي الوقت نفسه، تراجعت المساعدات الإنمائية العالمية بنسبة 23 في المائة في عام 2025، وهو أكبر انخفاض سنوي مسجل على الإطلاق، وكانت البرامج الصحية، بما فيها مبادرات معنية بمكافحة الإيدز، من بين الأكثر تضررا.
وقالت بيانييما إن المرحلة الحالية ينبغي فهمها باعتبارها «نهاية عصر الاعتماد على المساعدات الدولية».
ودعت إلى نموذج جديد للتمويل، يشمل تدابير مثل إعادة هيكلة الديون السيادية، بما يمكّن الحكومات من الاستثمار في «مستقبل شعوبها».
وحصلت المنظمات التي تقودها المجتمعات المحلية على ما يصل إلى 25 في المائة من المساعدات الدولية المخصصة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية في عام 2024.
وتُظهر الأبحاث أن هذه المنظمات وصلت، في بعض البلدان، إلى 22 في المائة من الأشخاص المتعايشين مع الفيروس وما يصل إلى 60 في المائة من الفئات المهمشة بخدمات منقذة للحياة.
ومن دون دعم الجهات المانحة، ومن دون تعزيز الاستثمار المحلي، تواجه برامج الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية والاستجابات التي تقودها المجتمعات المحلية خطر الانهيار الكامل.