لم نعد نصور حياتنا... بل أصبحنا نعيش من أجل تصويرها.

في الماضي كانت الصورة توثق الذكرى، أما اليوم فأصبحت الذكرى تُصنع من أجل الصورة. تغيرت الأولويات بصمت، فأصبح كثيرون يقيسون جمال اللحظة بعدد الإعجابات، ويقيسون قيمتها بعدد المشاركات، حتى غدت الشاشة وسيطا بين الإنسان وحياته.

في أقل من عقدين، تحولت صورة «السيلفي» من وسيلة بريئة لحفظ اللحظات الجميلة إلى ظاهرة اجتماعية أثرت في سلوكنا اليومي، وطريقة تواصلنا، وحتى نظرتنا إلى أنفسنا. لم يعد السؤال عند الوصول إلى أي مكان: ماذا سنستمتع به؟ بل أصبح: أين سنلتقط أفضل صورة؟العلم الحديث يفسر هذا السلوك بأن كل إعجاب أو تعليق إيجابي ينشط مراكز المكافأة في الدماغ، فيمنح شعوراً مؤقتاً بالرضا، ويدفع صاحبه إلى تكرار التجربة، ومع مرور الوقت قد يتحول البحث عن التفاعل الرقمي إلى عادة يومية، فينشغل الإنسان بصناعة صورة مثالية لحياته أكثر من عيشها.ولعل أكثر ما يدعو للقلق أن هذه الظاهرة لم تعد تقتصر على الشباب، بل امتدت إلى مختلف الأعمار، ففي المطاعم، والحدائق، والمطارات، وحتى في المستشفيات، نرى الهواتف ترتفع قبل أن ترتفع نظراتنا إلى من حولنا. أصبحت بعض اللقاءات العائلية تُختزل في صور جماعية، بينما يقل الحوار الحقيقي بين أفرادها.كما أن المقارنة المستمرة مع الصور المعدلة والفلاتر الرقمية خلقت معايير غير واقعية للجمال والنجاح، وأسهمت في زيادة القلق، وضعف الرضا عن الذات، خاصة لدى المراهقين. والأسوأ من ذلك أن بعض الأشخاص خاطروا بحياتهم من أجل صورة استثنائية، فسقطوا من مرتفعات، أو تعرضوا لحوادث أثناء القيادة، أو اقتربوا من أماكن خطرة بحثاً عن لقطة تجذب الأنظار.

Ad

لسنا ضد التصوير، ولا ضد الاحتفاظ بالذكريات، فالصورة الجميلة تبقى شاهداً على لحظة جميلة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من اللحظة نفسها، ويصبح رأي الغرباء على مواقع التواصل أهم من مشاعر من يجلسون بجانبنا.

الحياة لا تُقاس بعدد صور السيلفي، ولا بعدد الإعجابات، بل بعدد اللحظات التي عشناها بصدق، والكلمات التي تبادلناها، والابتسامات التي رأيناها بأعيننا لا من خلال شاشة الهاتف.فلنلتقط صوراً أقل... ولنصنع ذكريات أكثر.فقد تنسى الصورة بعد سنوات، وقد تختفي مع هاتف جديد أو حساب مغلق، أما الذكريات التي عشناها بقلوبنا فتبقى معنا مدى الحياة.وعندما ننظر إلى الوراء، لن يكون أهم سؤال: كم صورة التقطنا؟ بل: كم لحظة عشناها حقاً؟

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.

قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.