تراجع الذهب 2 في المئة الجمعة مع تعافي الدولار من أدنى مستوى له في أكثر من شهر الذي سجله في الجلسة السابقة، في حين يتجه المعدن النفيس لتسجيل أول مكسب شهري في 5 أشهر بعد أن عززت بيانات تضخم ضعيفة التوقعات بعدم إقدام مجلس الاحتياطي الفدرالي «البنك المركزي» الأميركي على رفع أسعار الفائدة. وانخفض الذهب في المعاملات الفورية 1.8 بالمئة إلى 4027.75 دولاراً للأوقية (الأونصة)، بعدما تراجع بما يصل إلى 2 في المئة في وقت سابق من الجلسة. وخسرت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم أغسطس 1.9 بالمئة إلى 4025.10 دولاراً للأوقية.
وحقق الذهب مكاسب بلغت 0.5 بالمئة منذ بداية الشهر، متجهاً لتسجيل أكبر زيادة شهرية له منذ فبراير. وجاءت هذه المكاسب بشكل رئيسي بفعل بيانات التضخم الأضعف، التي دفعت المتعاملين إلى خفض توقعاتهم لمزيد من رفع أسعار الفائدة من جانب «الفدرالي» خلال العام، كذلك بعد تراجع أسعار النفط في وقت سابق من الشهر إلى مستويات ما قبل الحرب الإيرانية.
وقال كبير محللي الأسواق لدى منصة بايبت، هان تان: «رغم أن الذهب على وشك إنهاء سلسلة خسائر استمرت 4 أشهر، فإن المعدن النفيس واجه صعوبة في توسيع مكاسبه فوق المستوى النفسي البالغ أربعة آلاف دولار». وأظهرت بيانات صدرت الخميس أن التضخم في الولايات المتحدة تباطأ في يونيو، لكن هذا التراجع قد يكون مؤقتاً مع ارتفاع أسعار النفط نتيجة تجدد الأعمال القتالية في الشرق الأوسط. وتعهّد رئيس مجلس الاحتياطي كيفن وارش هذا الأسبوع بالتزام راسخ بخفض التضخم، دون أن يشير إلى استعداد لرفع أسعار الفائدة. وارتفع الدولار 0.5 بالمئة بعد أن هبط بنحو 2.4 بالمئة اليوم، في أكبر انخفاض يومي له منذ يناير 2023. ويؤدي صعود الدولار إلى زيادة تكلفة الذهب على حائزي العملات الأخرى. ووفقاً لأداة فيد ووتش التابعة لـ «سي. إم. إي»، فإن الأسواق تتوقع حالياً بنسبة 65 بالمئة رفع الفائدة في سبتمبر، مقابل أكثر من 80 بالمئة قبل أسبوع. وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى، تراجعت الفضة في المعاملات الفورية 2.9 بالمئة إلى 57.29 دولاراً للأوقية. ونزل البلاتين 2.5 بالمئة إلى 1618.97 دولاراً، وهبط البلاديوم 3.4 بالمئة إلى 1260 دولاراً.
ورغم التقلبات التي شهدتها أسعار الذهب خلال الأشهر الماضية، فإن المعدن النفيس لا يزال يحافظ على مكانته كأحد أهم أصول التحوط في العالم، مدعوماً بطلب قوي تقوده البنوك المركزية، في وقت تراجعت مشتريات المجوهرات واستثمارات بعض الصناديق.
وتكشف أحدث بيانات مجلس الذهب العالمي أن الطلب العالمي على الذهب استقر خلال الربع الثاني من العام عند 1.269 طن، بينما ارتفع إجمالي الطلب خلال النصف الأول بنسبة 2 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 2.522 طن، بقيمة تجاوزت 380 مليار دولار، وهو ما يعكس استمرار قوة السوق رغم تغيّر هوية المشترين.
البنوك المركزية تقود موجة الشراء
كانت البنوك المركزية اللاعب الأبرز في سوق الذهب خلال الربع الثاني، بعدما أضافت 289 طناً إلى احتياطياتها خلال 3 أشهر فقط، بزيادة بلغت 62 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وتعكس هذه المشتريات استمرار توجه العديد من البنوك المركزية نحو تعزيز احتياطياتها من الذهب، باعتباره أصلاً استراتيجياً يوفر الحماية من التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، ويساهم في تنويع الاحتياطيات بعيداً عن العملات الأجنبية.
تراجع الصناديق... وآسيا تعوّض
في المقابل، سجلت صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب صافي خروج بلغ 45 طناً خلال الفترة.
وقد قابل هذا التراجع نشاط قوي من المستثمرين الآسيويين، الذين عززوا مشترياتهم عبر التداولات خارج البورصة، ما ساعد في الحفاظ على قوة الطلب العالمي.
المجوهرات تتراجع... والقيمة ترتفع
أدى ارتفاع أسعار الذهب إلى تراجع الطلب على المجوهرات بنسبة 17 في المئة، مع إحجام العديد من المستهلكين عن الشراء بسبب ارتفاع التكلفة.
ورغم انخفاض الكميات المباعة، ارتفعت القيمة الإجمالية لمبيعات المجوهرات إلى 86 مليار دولار، مستفيدة من بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة.
على جانب المعروض، بقيت إمدادات الذهب العالمية مستقرة إلى حد كبير، رغم ارتفاع إنتاج المناجم، وذلك بسبب انخفاض كميات الذهب المعاد تدويره بنسبة%6، وهو ما حد من أي زيادة كبيرة في المعروض.
الرسالة التي تكشفها الأرقام
وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن الذهب لم يفقد جاذبيته، بل تغيرت خريطة المشترين. فبعدما كان الطلب يعتمد بدرجة أكبر على الأفراد وصناديق الاستثمار، أصبحت البنوك المركزية والمستثمرون المؤسسيون يقودون السوق، في إشارة إلى استمرار النظرة إلى الذهب كملاذ آمن وأصل استراتيجي في ظل حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي.
وبالنسبة للمستثمرين، فإن الرسالة الأبرز ليست في حركة الأسعار قصيرة الأجل، بل في استمرار المؤسسات الرسمية حول العالم في تعزيز احتياطياتها من الذهب، وهو ما يعكس ثقة طويلة الأجل بالمعدن النفيس ودوره في حماية الثروات والاحتياطيات.