بعد ساعات على تنفيذ «الحرس الثوري» هجمات بالصواريخ البالستية على مقر القيادة الوسطى الأميركية في عمان، استؤنف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، ليل الأربعاء - الخميس، حيث شنّت «سنتكوم» ضربات مكثفة على إيران التي قامت بتجديد اعتداءاتها الآثمة ضد دول الجوار وفي مقدمتها الكويت والأردن، وهددت باستمرار إغلاق مضيق هرمز.
وأفادت «سنتكوم» بشن عشرات الضربات التي طالت مراكز القيادة العسكرية، ومنشآت الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومواقع المراقبة والدفاع الساحلي، والقدرات البحرية الإيرانية رداً على محاولات استهداف قوات الولايات المتحدة المتمركزة في المنطقة.
وذكرت أن ضرباتها المكثفة استهدفت الحد بشكل أكبر من التهديدات التي تشكلها إيران ووكلاؤها على القوات الأميركية، وحركة الملاحة التجارية، ودول الخليج.
وسمع دوي انفجارات في عدة مواقع في جنوب إيران بمناطق حزام «هرمز»، خصوصا في جزيرة قشم وبوشهر وعبادان، بالإضافة إلى الأهواز.
وأعلن «الحرس الثوري» مقتل 3 من أفراده في هجوم صاروخي أميركي استهدف محافظة زنجان، شمالي إيران، في حين تحدث مدير إدارة الأزمات في محافظة هرمزغان عن تسبب ضربة على منطقة سكنية بقشم في مصرع 3 من أسرة واحدة وعدة إصابات.
دفاع وعدوان
وبينما تصدت دفاعات الكويت لاعتداءات إيرانية جوية استهدفت منشآت مدنية، أعلنت السلطات الأردنية اعتراض وإسقاط 5 صواريخ قادمة من إيران، استهدفت أراضيه أمس لليوم الثالث على التوالي.
وتوالت ردود فعل دولية وإقليمية منددة بتجدد الاعتداءات الإيرانية على الكويت والأردن، في حين زعم «الحرس الثوري»، أن قصفه الصاروخي تسبب في تدمير كامل لثلاث طائرات «F35» وإلحاق أضرار جسيمة بثلاث أخرى في قاعدة الأزرق.
وهدد «الحرس» المهيمن على النظام الإيراني من وصفها بـ «الدول التي تتدخل في دعم المعتدين» بأنها «إذا لم تُصلح سلوكها، فستتلقى رداً قاسياً». وادّعت قوات الحرس البحرية أنها تسيطر على «هرمز»، مؤكدة أنّ المضيق الاستراتيجي لن يفتح «ما دامت مُبالغات وتهديدات المسؤولين الأميركيين وتدخلهم في الحركة البحرية في المنطقة قائمة»، في إشارة إلى الحصار البحري الذي تفرضه «سنتكوم» على السفن والموانئ الإيرانية منذ انهيار مذكرة تفاهم إسلام آباد في 8 الجاري.
وأشارت إلى تراجع ناقلتي نفط كانتا تحاولان عبور «هرمز» من الممر «غير الآمن»، في إشارة إلى المسار العماني الجنوبي الذي تم تدشيه بالتنسيق بين مسقط والأمم المتحدة والجيش الأميركي.
كما زعمت وكالة نور نيوز التابعة لمجلس الأمن القومي الإيراني، أن شحنة من الغاز الطبيعي المسال القطري عبرت المضيق لأول مرة منذ 3 أسابيع، مشيرة إلى أن السفينة سلكت المسار المحدد لها، ووصلت إلى المياه المفتوحة دون تسجيل أي مشاكل.
في موازاة ذلك، جادل نائب وزير الخارجية كاظم آبادي بأن إيران، وفقاً للبند الخامس من مذكرة تفاهم «إسلام آباد»، كانت ملتزمة باتخاذ ترتيبات لضمان عبور آمن ومجاني لمدة 60 يوماً للسفن التجارية، وليس تسليم السيطرة على المضيق.
وبينما أشار إلى أن المناقشات بين بلده وسلطنة عمان بشأن «هرمز» مستمرة، هدد آبادي باستهداف أي سفينة حربية أوروبية تقترب من المضيق بهدف إزالة الألغام، معتبرا أنه «إذا عاد هرمز إلى وضع ما قبل الحرب الأميركية - الإسرائيلية، فإن نجاحنا في الحرب لن يكون مكتملاً».
خطط وإحباط
في غضون ذلك، كشفت «وول ستريت جورنال»، أن قائد «سنتكوم»، الأدميرال براد كوبر، أعدَّ خطة لشنِّ حملة جوية عقابية ضد إيران قد تمتد بين 10 و14 يوماً، تستهدف تدمير القدرة الصاروخية الإيرانية بشكل شبه كامل.
ونقلت عن مصادر مطلعة أن كوبر يرى أن الضربات المتبادلة المحدودة أثبتت عقمها في ردع طهران عن تهديد الملاحة في «هرمز» ومهاجمة القوات الأميركية، ولذا يشدد على ضرورة تكثيف الضربات الجوية وتصعيدها بشكل حاد لكسر حالة الجمود، كما أن منطق الأدميرال واضح، وهو أن الذهاب إلى الحد الأقصى سيُضعف القدرة الصاروخية الإيرانية، لدرجة تجعلها عاجزة عن الرد، مما يُقلص الحاجة للذخيرة الدفاعية الأميركية التي باتت شحيحة.
وبحسب التقرير، يؤيد وزير الحرب، بيت هيغسيث، الخطة الكبرى، بينما يحذر رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، البيت الأبيض من تداعيات من الدرجة الثانية والثالثة، ولا سيما ما يتعلق بشُح مخزون الاعتراضات الجوية اللازمة لحماية القواعد والحلفاء في مناطق أخرى من العالم دون أن يعني ذلك معارضته للتصعيد من حيث المبدأ.
وبحسب المعلومات، لا يعد «الخيار الكبير» الوحيد الذي طوَّره كوبر، بل هو الأعلى سقفاً ضمن سلسلة من السيناريوهات المتاحة أمام ترامب الذي يدرس توجيه ضربات محدودة تبقي الباب مفتوحا أمام استئناف المسار الدبلوماسي.
وفي السياق، كشفت شبكة إن بي سي أن ترامب وكبار مساعديه غير راضين عن تطورات الوضع، رغم تصريحاته العلنية التي أبدى فيها ارتياحه للأحداث الأخيرة.
ووفقاً للشبكة الأميركية، فقد صرخ ترامب ووجّه شتائم خلال اجتماع سري مع كبار المسؤولين العسكريين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان»، لبحث خيارات توسيع العمليات العسكرية، عقب مقتل 4 جنود أميركيين في هجوم صاروخي استهدف قاعدة في الأردن.
وأعرب ترامب عن استيائه الشديد من الخيارات العسكرية المحدودة المطروحة أمامه، وعدم تحقيق أيّ تقدم ملموس نحو التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد المكاسب التكتيكية التي تم تحقيقها.
تسلح وتضاؤل
وجاء ذلك بالتزامن مع إعلان وزارة الحرب (البنتاغون) أن الجيش الأميركي أبرم مع شركة لوكهيد مارتن عقداً تصل قيمته إلى 58.62 مليار دولار لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية، وهو عقد قياسي يأتي تخصيصه مع تضاؤل مخزونات الأسلحة الأميركية جراء الصراعات الدائرة في أنحاء العالم.
ووفقاً لتقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، استخدمت الولايات المتحدة، خلال الفترة من 27 فبراير الماضي إلى 27 الجاري، ما بين 1503 و1571 صاروخاً لمنظومات باتريوت، وما بين 174 و218 صاروخاً اعتراضياً لمنظومات ثاد.
وأشار التقرير إلى أنه في 27 فبراير الماضي، كانت واشنطن تمتلك 2330 صاروخاً من «باتريوت» و452 صاروخاً اعتراضياً لـ «ثاد»، بينما تراجع المخزون بحلول 27 الجاري، إلى ما بين 759 و827 صاروخاً من «باتريوت»، وما بين 234 و278 صاروخاً اعتراضياً لـ «ثاد».
ومع انهيار الهدنة غير المعلنة بين الطرفين، والتي لم تصمد 5 أيام منذ إعلان ترامب تعليق سلسلة من الغارات الليلة لإعطاء متنفس للدبلوماسية، شددت «الخارجية» الباكستانية، التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن بمشاركة قطر، على أن إسلام آباد تبذل قصارى جهدها لإحياء مسار التفاوض بين الإيرانيين والأميركيين بموجب مذكرة التفاهم الموقّعة عن بعد منتصف يونيو الماضي.
وقال المتحدث باسم «الخارجية» الباكستانية، طاهر أندربي، إن المباحثات بين طهران وواشنطن بشأن تطبيع الأوضاع، خصوصاً ما يتعلق بـ «هرمز»، وخفض التصعيد لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن بلاده تتابع بقلق استمرار هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.
وأضاف أن الهدوء النسبي الذي شهدته الأيام الماضية عزز الآمال بإمكانية ترسيخ وقف إطلاق نار مستدام يحظى باحترام جميع الأطراف ويمهد الطريق أمام استئناف الحوار.
وأكد أندربي أن «الحوار والدبلوماسية يمثلان المسار العملي الوحيد للخروج من الأزمة الحالية»، مرحّباً بجميع الجهود الرامية إلى الحفاظ على وقف الأعمال القتالية واستئناف المحادثات.
وأوضح أن باكستان تبذل «كل ما في وسعها» لإعادة الأطراف إلى الالتزام بمذكرة تفاهم إسلام آباد، ومعالجة القضايا الخلافية ومسببات التوتر ضمن إطار التفاهمات المتفق عليها.
وفي طهران، أظهرت السلطات الإيرانية المزيد من العناد بمواجهة جهود احتواء الأزمة سلمياً، إذ نفى المتحدث باسم «الخارجية» إسماعيل بقائي إجراء أي مفاوضات مع واشنطن. لكن بقائي لفت إلى أن المباحثات مع مسقط بشأن «هرمز» ما زالت مستمرة على مستوى وزيري الخارجية، مضيفاً «ما هو مؤكد أن المضيق لا يزال مغلقاً حالياً بسبب الإجراءات الأميركية وحالة انعدام الأمن».