في الثلاثين من يوليو كل عام يحيي العالم اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وهو اليوم الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة بقرارها رقم (68/192). وهنا لا ينبغي لهذه المناسبة أن تكون مجرد تاريخ في أجندة المناسبات الدولية، بل وقفة أمام واحدة من أشد الجرائم امتهاناً للإنسان وأكثرها خفاء في آن واحد، لأنها جريمة تنتهك حرية الإنسان وكرامته وحقه في العيش والعمل بأمان.
إن موضوع عام 2026 هو «عالقون في فخ الاحتيال»، وهذا الشعار بالغ الدلالة لأنه يسلط الضوء على تنامي ظاهرة الاتجار بالأشخاص بغرض الإكراه على ارتكاب جرائم ضمن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت حيث تستدرج فيه الجماعات الإجرامية المنظمة ضحاياها بإعلانات عمل زائفة الغرض منها الاحتيال.
إن دولة الكويت لم تتعامل مع هذا الملف بوصفه استحقاقاً دبلوماسياً عابراً، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لنهجها الإنساني، فأرست منظومة قانونية ومؤسسية متكاملة تقوم على أركان عدة منها الوقاية، والحماية والشراكة.
وجاء القانون رقم (91) لسنة 2013 في شأن مكافحة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين ليضع تعريفاً دقيقاً للجريمة وأركانها، وأقر عقوبات رادعة لمرتكبي هذه الجريمة المنظمة. وعلى الصعيد المؤسسي، أنشأت وزارة الداخلية عام 2015 إدارة حماية الآداب العامة ومكافحة الاتجار بالأشخاص، كما تشكلت اللجنة الوطنية الدائمة لمكافحة الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين برئاسة وزارة العدل، وعضوية عدد من الجهات تختص بالعمل على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمنع الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين. ولم يأتِ هذا المسار التشريعي بمعزل عن التزامات دولة الكويت الدولية، فقد رسخت الدولة موقعها بمصادقتها على منظومة من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية في هذا الشأن.
قد لا يرى الإنسان أمامه جريمة تحمل اسم «الاتجار بالأشخاص»، لكنه قد يرى مؤشرات تستحق الانتباه كوجود عامل تعرض للخداع بشأن طبيعة العمل، أو شخصاً يُجبر على العمل تحت التهديد، أو احتجاز وثائق ثبوتية، أو إنساناً يُستغل لجهله بحقوقه.
ومن المهم التمييز بين الخلاف العمالي وبين الاتجار بالأشخاص، فليس كل انتهاك لحقوق العامل اتجاراً بالبشر، لكن بعض الانتهاكات، حين تقترن بالإكراه أو الخداع أو استغلال حالة الضعف بغرض الاستغلال، تغدو مؤشراً يستوجب تدخل الجهات المختصة.
كما يجب تعزيز الوعي المجتمعي لأن المجتمع هو خط الدفاع الأول عن طريق ترسيخ ثقافة الإبلاغ وممارسة العدل مع العمالة المنزلية والوافدة بالالتزام بالعقود والأجور وساعات العمل والراحة، وعدم حجز الوثائق الثبوتية، ومقاطعة الاستقدام غير المشروع عن طريق التعامل مع المكاتب المرخصة فقط، علاوة على تعزيز التربية الأسرية والحقوقية، وأخيراً، توظيف الوعي الرقمي بالحذر من عروض العمل الوهمية.
إن اليوم العالمي لمكافحة الاتجار بالأشخاص ليس مناسبة للاحتفاء بقدر ما هو مرآة نراجع فيها ذواتنا. فكم من إنسان حولنا يُستغل في صمت؟ وكم من كرامة تُهدر خلف الأبواب المغلقة أو خلف الشاشات؟ لقد قطعت الكويت شوطاً مقدراً في بناء منظومتها التشريعية والمؤسسية، غير أن المعركة الحقيقية تخاض في الضمائر قبل المحاكم، وفي البيوت قبل الحدود. فحين يستشعر كل فرد أن حرية الآخر امتداد لحريته، وأن كرامة العامل والوافد جزء من كرامة الوطن، عندها فقط نكون قد انتصرنا للإنسان.
* مترجمة وكاتبة وفنانة تشكيلية