تؤدي الجمعيات التعاونية في الكويت دوراً اقتصادياً وخدمياً مهماً، فهي الوجهة اليومية لتوفير الاحتياجات الغذائية والاستهلاكية للأسر. وعلى مدى عقود، لم يقتصر دورها على بيع السلع، بل امتد إلى أنشطة اجتماعية متنوعة، مثل تكريم الطلبة المتفوقين، وتنظيم رحلات العمرة، وتوزيع السلال الرمضانية، ودعم المناسبات الوطنية والفعاليات الثقافية والرياضية. 

هذه الجهود تستحق التقدير، لكنها تطرح سؤالاً مهماً: هل ما زالت هذه الأنشطة وحدها كافية لمواجهة التحديات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع اليوم؟ فالأسرة الكويتية تواجه اليوم تحديات متزايدة، أبرزها ارتفاع معدلات الطلاق، وتعقّد الخلافات الأسرية، وتنامي المشكلات السلوكية لدى الأبناء والمراهقين، إلى جانب الضغوط النفسية التي فرضتها المتغيرات الاجتماعية والتقنية. وكثير من هذه المشكلات تبدأ بسيطة، لكنها تتفاقم بسبب غياب التوجيه المهني والتدخل المبكر، رغم أن احتواءها في بداياتها قد يمنع آثاراً اجتماعية ونفسية كبيرة. من هنا تبرز الحاجة إلى توسيع الدور المجتمعي للجمعيات التعاونية، لتصبح شريكاً في منظومة الوقاية الاجتماعية، وليس مجرد جهة تقدم خدمات استهلاكية. 

ويمكن تحقيق ذلك من خلال تخصيص مكاتب أو برامج للإرشاد الأسري والنفسي والتربوي داخل الجمعيات أو تحت مظلتها، تقدم جلسات استشارية أولية، وبرامج توعوية للآباء والأمهات، ودورات للمقبلين على الزواج، وورشاً حول التربية الإيجابية، ومبادرات لدعم الصحة النفسية للشباب ومواجهة السلوكيات الخطرة. 

Ad

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرات على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى تخفيف الأعباء المالية عن الأسر، إذ أصبحت الاستشارات الأسرية والنفسية المتخصصة مكلفة بالنسبة لكثيرين، ما يدفع بعض الأسر إلى تأجيل طلب المساعدة حتى تتفاقم المشكلات، ومن هنا فإن توفير هذه الخدمات بصورة مجانية أو مدعومة يُعد استثماراً مباشراً في استقرار الأسرة، باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع. 

إن المجتمعات الناجحة لا تنتظر وقوع الأزمات، بل تستثمر في الوقاية قبل العلاج، فكل مبادرة تعزز التماسك الأسري، وتحمي الشباب، وتدعم الصحة النفسية، تسهم في ترسيخ أمن المجتمع واستقراره، وتحد من التكاليف الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن التفكك الأسري والانحرافات السلوكية والأزمات النفسية. 

لقد أثبتت الجمعيات التعاونية نجاحها في أداء دورها الاقتصادي والخدمي، إلا أن متطلبات المرحلة الحالية تستدعي توسيع رسالتها لتشمل دعم الاستقرار الأسري والتنمية الاجتماعية، وعندما تصبح الجمعية التعاونية شريكاً في حماية الأسرة وبناء الإنسان، فإنها تحقق المعنى الحقيقي للعمل التعاوني، وتنتقل من مؤسسة تُعنى بتوفير السلع إلى مؤسسة تُسهم في صناعة مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً وجودةً للحياة.