تولد وما إن تمضي دقائق قليلة على مجيئك إلى هذا العالم حتى تحسم عنك قرارات لم تستشر فيها يوماً، يختارون اسمك وجنسيتك ودينك وبيئتك ولهجتك، وربما حتى طريقة تفكيرك قبل أن تتعلم النطق، تكبر شيئاً فشيئاً لتكتشف أن كثيراً من المعارك التي تخوضها لم تكن من اختيارك، وأن كثيراً من القناعات التي تدافع عنها ورثتها قبل أن تمتلك القدرة على مساءلتها.
يبدأ الإنسان حياته حراً في فطرته، ثم تتسابق الأيدي والعقول لتشكيل وعيه، فيغدو ما يسمعه حقيقة وما يعتاده يقيناً وما ورثه مقدساً، وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يطرح أكثر من أي وقت مضى، هل نربي أبناءنا ليكونوا أحرار العقول أم مجرد امتداد لما وجدوا عليه من سبقهم.
إن أعظم تحد يواجه التربية اليوم ليس تعليم الطفل القراءة أو الكتابة، بل تعليمه كيف يفكر دون تردد، وكيف يحترم المختلف دون أن يتخلى عن مبادئه، وكيف يميز بين الإيمان والتعصب وبين الثبات على القيم والانغلاق على الأفكار، فالأمم لا تقاس بعدد من يحفظون الإجابات بل بعدد من يملكون شجاعة طرح الأسئلة، فالطفل لا يعرف الكراهية بالفطرة ولا يولد وهو يفرق بين إنسان وآخر بسبب شكله أو لونه أو عرقه أو وطنه أو مذهبه، قلبه يتسع للجميع، وعقله صفحة بيضاء، وما يكتب فيها هو الذي يصنع مستقبله، فإذا امتلأت بالخوف كبر خائفاً، وإذا امتلأت بالتعصب كبر متعصباً، وإذا امتلأت بالرحمة أصبح رحمة لمن حوله.
وهنا يبدأ التحدي الحقيقي في صناعة الوعي، كيف ننشئ إنساناً متزناً في عالم يميل إلى الاستقطاب، وكيف نزرع فيه الرحمة، بينما يسمع من يحوله إلى قاض يصنف الناس ويقسمهم إلى صالح وطالح، كيف نربي أبناءنا على أن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأن الحوار أقوى من الصراخ، وأن الإنسان يقاس بخلقه وعمله لا بانتمائه واسمه، وكيف نغرس فيهم أن الإيمان الحقيقي لا يخشى السؤال، وأن العقل الذي وهبه الله للإنسان ليس زينة بل أمانة ومسؤولية.
إن أخطر ما يمكن أن نورثه أبناءنا ليس فكرة خاطئة بل تعطيل التفكير، لأن من يخشى السؤال سيخشى المراجعة، وسيبقى أسيراً لما لقنه الآخرون، وحين ننجح في تربية طفل يحترم الإنسان ويقدم الإخلاق والعلم والرحمة على التعصب نكون قد صنعنا مجتمعاً أكثر وعياً وإنسانية، فالأوطان لا تبنيها الشعارات وإنما يبنيها إنسان حر الفكر، مستقيم الضمير، واسع القلب، يرى في اختلاف البشر ثراء للحياة لا سبباً للصراع.