رغم الأهمية القصوى، واحترام القرارات المالية العامة الهادفة إلى ترشيد الإنفاق وتعظيم الإيراد العام، فإنها تظل في حدود الشرط الضروري، وليس الكافي لإعداد وإصلاح وضع رصيد الموازنة من سالب إلى صفري وفائض (علماً بأن العجز ليس ظاهرة سيئة دائماً إلا إذا كان ناتجاً، وبشكل مستدام، عن تمويل لإنفاق جارٍ يتصف مُضاعفه المالي Fiscal Multiplier بالانخفاض الشديد. ويقيس هذا المضاعف التغير في الناتج المحلي الإجمالي بسبب التغير في إنفاق معين، جارٍ أو رأسمالي، أو مجموعهما). أما الشرط الأهم والأقرب للكفاية اللازم لإعداد وإصلاح الموازنة فهو اقتصادي بطبيعته، وفي كافة البلدان، وهو الأمر الذي يُفسر لماذا تدمج وزارة المالية بالاقتصاد في بعض الدول، أو تكون مسؤولية إعداد الموازنة ضمن مسؤوليات وزارة الاقتصاد أو التخطيط، أو يكون هناك دور (فعّال وعلى أسس مهنية، وليس شكلية) لإدارة الاقتصاد الكلي والسياسة المالية ضمن دورة إعداد الموازنة، كما هو الحال في أغلب الدول التي تُعد بها الموازنة من قبل وزارة المالية. 

وتستمد مقولة إن إعداد وإصلاح الموازنة هو شأن اقتصادي من حقيقة أن الموازنة هي الأداة الرئيسية لتنفيذ السياسة المالية لأي بلد، وانها أداة توزيعية في جانب الإنفاق الجاري، واستثمارية في جانب الإنفاق الرأسمالي، وكلا الجانبين له تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على معدل النمو، والأداء الاقتصادي عموما، ولابد من أخذهما بنظر الاعتبار، كمّياً، عند إعداد الموازنة وإصلاحها. كما أن هذه السياسة، المالية لا تعمل في فراغ بل بالتنسيق مع السياسة النقدية، والتجارية، والاجتماعية، والبيئية، وغيرها من السياسات، وان أخذ جميع هذه الاعتبارات عند إعداد الموازنة (وإصلاحها في فترات العجز أساساً) يخرج عن نطاق المعالجة المحاسبية الحكومية التي تهتم بالجوانب المحاسبية وتطبيق قواعدها المختلفة، وهو أمر مهم بطبيعة الحال. كمأ أن إعداد السياسة المالية وتحديد أهدافها، وأدواتها، أحد المهام الاقتصادية التي تستخدم الموازنة كأداة. بالإضافة إلى أن ضمان عدم تضارب السياسة المالية مع بقية السياسات لا يتم إلا من خلال إدارة اقتصادية كلية مدربة تدريباً اقتصادياً مهنياً وعلى درجة عالية من الكفاءة. 

ووفقاً لتجربة مملكة النرويج (انظر وقع وزارة: www.regjeringen.no) باعتبارها اقتصاداً صغيراً يعتمد نسبياً على القطاع النفطي، فإن الآلية التي تربط بها تأثيرات السياسة المالية (المُنَفذة بشكل أساسي من خلال الموازنة العامة للدولة) من خلال نموذج اقتصادي يُقيّم، كمياً، هذه التأثيرات على مختلف القطاعات الاقتصادية: القطاع العائلي، وسوق العمل، والأجور، والقطاع المصرفي، والمنشآت (المُنتجة للسلع والخدمات، والاستهلاك النهائي، والصادرات، والواردات، والسياسة النقدية والمالية (بما تتضمنه من البنك المركزي، والموازنة العامة وما تتضمنه بدورها من تأثيرات بنود الإنفاق والإيراد العام، والاستثمار العام، وصندوق التقاعد، والقطاع الخارجي، وكيفية توازن مختلف الأسواق المحلية والخارجية من خلال استخدام الأدوات المختلفة للسياسات، وتقييم تأثيرات الصدمات)، علما بأن هذا النموذج يتم تحديثه من فترة لأخرى، حسب المستجدات المحلية والخارجية، مع أهمية النظر إلى نتائج هذه النماذج على أنها ليست نتائج نهائية، بل يجب أن تَخضع لتقييم ذوي الخبرة الطويلة بالاقتصاد المعني، وتعديل نتائجه، إذا تطلب الأمر، نوعياً. 

Ad

وبالإشارة إلى تجربة دولة الكويت في إعداد الموازنة العامة للدولة (صدرت أول موازنة بالدولة عام 1955، وفقاً لتعميم مدير المالية المنشور بالجريدة الرسمية في 11 ديسمبر 1954) فمازال القانون رقم 31 لسنة 1978 (موقع وزارة المالية) هو الذي يحكم دورة إعداد وتنفيذها ومتابعتها (من خلال تشكيل لجنة عليا للموازنة العامة للدولة برئاسة وزيرالمالية، وعضوية ممثلين عن مجلس الخدمة المدنية ووزارة التخطيط «سابقاً»)، حيث يُطلب، لغرض تقدير الإيرادات العامة، من مختلف الوزارات والجهات العامة إعداد التقديرات المتوقعة لإيراداتها للسنة القادمة (المادة 5)، وكذلك التقديرات المتوقعة لنفقات هذه الجهات ودراستها فنياً من قبل الخدمة المدنية والتخطيط (المادة 9). بعد ذلك يعد وزير المالية التقديرات النهائية للموازنة، مع البيان المالي، آخذا بنظر الاعتبار الملاحظات من الجهتين المشار اليهما (المادة 13)، ثم تعرض الموازنة والبيان المالي لإقرارهما من قبل السلطات التنفيذية والتشريعية (المادة 14)، وبعد إقرار الموازنة من السلطات المعنية تقوم وزرارة المالية بإبلاغها للجهات المعنية للعمل بها (المادة 15). مع اهتمام بقية بنود القانون بآليات التنفيذ والمتابعة واعتبارات أخرى ذات علاقة. كما تقوم الوزارة، وهو إجراء سليم ويتسق مع المطلوب، بإصدار تعليمات للجهات المعنية، بين فترة وأخرى، لتعزيز الإيرادات غير النفطية، والعمل ببعض القواعد المالية fiscal Rules، في جانب الإنفاق، وهو أمر يُحسب لصالح وزارة المالية.  

وفي ظل هذه الدورة المشار اليها أعلاه، وفي ظل (حقيقة) أن الموازنة العامة للدولة هي الترجمة السنوية للخطة (أو برنامج الإدارة الاقتصادية الكلية الذي تتبناه الدولة) التي تتبعها الدولة، فإنه من المنطقي أن تتضمن الموازنة (أو البيان المالي) فصلا، كميّا وفنيا، يوضح بالأرقام المدى الذي تنفذ به الموازنة أهداف الخطة للسنة المعنية (شاملة كافة المتغيرات الاقتصادية مثل تلك المشار اليها في التجربة النرويجية، على سبيل المثال، بحيث تكون جزءاً لا يتجزأ من آلية إعداد تقديرات الموازنة العامة)، وهو الأمر الذي يحتاج الى إعادة تقييم لدمج الشأن الاقتصادي، بشكل ملموس وعملي، ويصلح لأغراض إعداد السياسات الاقتصادية وتشابكها، في دورة إعداد الموازنة، بهدف جعلها أداة (اقتصادية) فعّالة، وليست أداة مالية عامة الى حد بعيد، لما لذلك من أهمية، كأحد شروط ومتطلبات الإصلاح الاقتصادي الشامل.