ثمة كلمات تُقال على المنصّات ولكنها لا تعلق في الذاكرة، ولكن أحياناً ما يؤثر هو ما يحدث بعيداً عنها، ذلك اليوم، لم يشدّني برنامج الفعالية ولا عناوين الكلمات، وإنما مشهد صغير في زاوية القاعة، كانت الدكتورة موضي الحمود تجلس بين الحضور، ويقف أمامها شاب يحدّثها، لم تسترق النظر إلى هاتفها، ولم تبد متعجّلة لإنهاء الحديث، ولم تقاطعه ولو مرة واحدة، أنصتت حتى فرغ من حديثه، ثم ردّت عليه بهدوء.
مشهد قد يمرّ عليه غيري دون أن يلحظه، لكنه استوقفني.
من يعرف الدكتورة موضي الحمود يعرف مسيرتها الطويلة. بدأت حياتها الأكاديمية في جامعة الكويت، وتولت عمادة كلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية، ثم منصب نائبة مدير الجامعة للتخطيط والتقييم، قبل أن تتولى وزارة التربية ووزارة التعليم العالي، وتواصل بعد ذلك عملها الأكاديمي في الجامعة العربية المفتوحة. سيرة يعرفها كثيرون، ولهذا لم تكن هي ما شدّني في ذلك اليوم.
الذي شدّني كان شيئاً لا تكتبه السيرة الذاتية، فأحياناً تمنحك دقائق معدودة انطباعاً تعجز عنه سنوات من قراءة المناصب والإنجازات. فالإنسان، مهما علا شأنه، يظهر في طريقة تعامله مع الناس، وفي صبره وهو يُصغي، وفي احترامه لمن يقف أمامه، وفي أن يشعر محدّثه بأنه يتحدث إلى شخص حاضر معه بكل اهتمام، لا إلى مسؤول تشغله الأضواء، فكم من صغيرٍ رفعه المنصب ولم ترفعه أخلاقه، وكم من كبيرٍ زاده قدره تواضعاً.
هنا راودني سؤال: هل المنصب هو الذي يصنع الإنسان، أم الإنسان هو الذي يمنح المنصب قيمته؟
لا أملك جواباً قاطعاً، لكن هذا كان الانطباع الذي خرجت به، فالعلم، في كثير من الأحيان، يمنح صاحبه هدوءاً أكثر مما يمنحه رغبة في لفت الانتباه، وهناك أشخاص لا يحتاجون إلى كثرة الكلام ليتركوا أثراً، فيكفي أسلوبهم في التعامل حتى يبقى حضورهم في الذاكرة.
كثيراً ما نكتب عن المسؤولين من خلال قراراتهم وإنجازاتهم، وهذا حقهم، لكنّ هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، وهو ما يراه الناس بعيداً عن المنصّات والكاميرات، تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تبقى، لأنها لم تُصنع من أجل الظهور، وإنما تعكس الإنسان كما هو.
خرجت من تلك المناسبة وقد نسيت عنوان الكلمة وتفاصيل البرنامج، وبقي في ذهني ذلك المشهد القصير وحده، وربما لهذا السبب وجدت أن الكتابة عنه أصدق من الكتابة عن أي منصب شغلته.
الدكتورة موضي الحمود، في نظري، نموذج للمرأة الكويتية التي صنعت مكانتها بالعلم والعمل، وحافظت، في الوقت نفسه، على هدوئها واحترامها للناس، وهي صفات لا تمنحها المناصب، وحدها المواقف تكشفها، وربما لهذا السبب بقي ذلك المشهد حاضراً في ذاكرتي أكثر من أي كلمة قيلت في تلك المناسبة، ونموذجاً مشرفاً تتعلم منه الأجيال الجديدة من الكبار قامة وعلماً.