في عصر تقود فيه القوة الحاسوبية والبيانات قائمة الأولويات الوطنية، برز مفهوم «الذكاء الاصطناعي السيادي – Sovereign Artificial Intelligence»، كإطار حاسم للدول الطامحة لبناء قدراتها الرقمية الذاتية، وبالنسبة لدول الخليج العربي وخصوصاً الكويت، لا يعد هذا المفهوم مجرد خيار تقني، بل ضرورة استراتيجية لتحقيق أهداف «رؤية الكويت 2035» الطموحة والتي تستهدف تحويل الدولة من النظام الريعي إلى مركز مالي وتجاري واقتصاد قائم على المعرفة.
وعليه يتطلب ذلك تحسين قدرة الدولة من خلال تعزيز كفاءة مؤسساتها وتطوير وإدارة أنظمة الذكاء الاصطناعي باستخدام بنيتها التحتية وبياناتها، وفرض سيادة القانون بحيث تظل دورة حياة هذه الأنظمة بالكامل ضمن حدودها السيادية، وفقاً لقوانينها وقيمها المحلية.
وعليه نود أن نركز على تتبع مسار تطوير الذكاء الاصطناعي من خلال أربع ركائز أساسية كما يلي:
أولاً: البنية التحتية المحلية وحجر الأساس للقوة الحاسوبية
تشير الأدبيات والأبحاث في مجال الذكاء الاصطناعي إلى أن البنية التحتية المحلية المتمثلة بمراكز البيانات المتطورة ووحدات معالجة الرسوميات (GPUs) عالية الأداء، تشكل الركيزة الأولى للذكاء الاصطناعي السيادي، كما أن المسؤولين في الدولة العاملين في هذا المجال يدركون أن امتلاك هذه القدرات الحاسوبية داخل حدودها هو السبيل الأفضل والأنسب لتجنّب الاعتماد على مزودي الخدمات الخارجيين وضمان السيادة الرقمية.
وتشير التقارير إلى أن دولة الكويت لديها طموحات وشراكات استراتيجية ولا تزال في مرحلة بناء هذه البنية التحتية، حيث تستضيف حالياً خمسة مراكز بيانات فقط، وتفتقر إلى مقدمي خدمات سحابية محليين، كما يشهد الواقع الحالي نقلة نوعية من خلال شراكات استراتيجية كبرى، حيث أعلنت الحكومة عن شراكة مع Google Cloud لإنشاء منصة وطنية لتبادل البيانات، ونقل الأنظمة الحكومية إلى السحابة، وهو ما وصفه وزير الدولة لشؤون الاتصالات، بأنه خطوة لبناء «سيادة رقمية تحمي بيانات الدولة»، كما تم الإعلان عن تعاون وطني مع شركة Microsoft لتطوير قدرات سحابية معززة بالذكاء الاصطناعي.
ويعتبر ذلك نقلة نوعية حيث يقوم القطاع الخاص بدور محوري في تسريع هذا التوجه، ولقد كشفت شركة الاتصالات أوريدو الكويت، بالتعاون مع Nvidia، عن أول مركز بيانات سيادي في البلاد، مزود بوحدات معالجة رسومية من طراز H200، لتوفير بنية تحتية متكاملة للذكاء الاصطناعي، ويعتبر هذا المشروع انتقالاً نوعياً، حيث صرح رئيسها التنفيذي، بأن «العالم اليوم لم يعد يتنافس على الموارد التقليدية، بل على القوة الحاسوبية»، وتتماشى هذه الخطوة مع رؤية 2035، حيث تستهدف بشكل مباشر تمكين القطاعين العام والخاص من تطوير تطبيقاتهم محلياً.
وفي مجال الأبحاث والتطوير، فقد دشن معهد الكويت للأبحاث العلمية منظومة «إيكاروس» كأول منصة وطنية متكاملة للحوسبة عالية الأداء، بقدرة حاسوبية تبلغ 244 تيرافلوب (تريليون عملية حسابية في الثانية) وسعات تخزينية ضخمة، لدعم الباحثين في مجالات حيوية كالطاقة والبيئة. وفي المقابل، تبدو وتيرة الكويت أقل نسقاً مقارنة بجيرانها الخليجيين.
ثانياً: سيادة البيانات وحماية الأصول الوطنية
تعد سيادة البيانات بأنها حجر الزاوية في أية استراتيجية للذكاء الاصطناعي السيادي، كما أنها صمام أمان للمحافظة بأن تبقى البيانات الحساسة للدولة والمواطنين مخزنة ومعالجة محلياً، بما يتوافق مع التشريعات الوطنية.
ولقد قامت الكويت ببناء إطار مؤسسي وقانوني متين لضمان ذلك، حيث تلعب هيئة تنظيم الاتصالات وتقنية المعلومات (CITRA) دوراً محورياً ومتطوراً في إطار حوكمة متقدم من خلال لائحة حماية خصوصية البيانات، والإطار التنظيمي للحوسبة السحابية، الذي يفرض شروطاً صارمة على نقل وتخزين البيانات. كما يُعتبر إنشاء المركز الوطني للأمن السيبراني في عام 2022، خطوة جوهرية لوضع ضوابط لتصنيف البيانات ومعالجتها عبر الحدود، ويُلزم المؤسسات بالحصول على موافقته قبل تخزين أو معالجة المعلومات الحساسة خارج البلاد.
ولم تقتصر الجهود على الجانب التنظيمي، بل شملت إطار حوكمة متقدماً من خلال وضع عقوبات رادعة، حيث تصل الغرامات الإدارية لمخالفي لوائح CITRA إلى مليون دينار كويتي لكل مخالفة، وقد تصل العقوبات إلى تعليق الترخيص أو الإحالة للنيابة العامة في الحالات الخطرة، وهذه القوانين تجعل من الامتثال شرطاً أساسياً للعمل في السوق الكويتي، (قانون إنشاء الهيئة).
ثالثاً: استقلالية النماذج وتطوير ذكاء اصطناعي بلمسة كويتية
تتعدى السيادة الرقمية البنية التحتية والبيانات، لتشمل تطوير أو تخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي (كنماذج اللغة الكبيرة) لتتلاءم مع اللغة العربية والثقافة المحلية، مع الاحتفاظ بالتحكم الكامل في الخوارزميات.
وتدرك الجهات الرسمية في الدولة أهمية هذا الجانب، حيث يتضمن التعاون مع Nvidia، بالإضافة إلى البنية التحتية، القيام ببناء نماذج محلية من برامج لبناء نماذج لغوية كويتية (Kuwaiti LLMs) واستضافة مسابقات الهاكاثونات وتطويرها، مما يمكّن المواهب الوطنية من المشاركة الفاعلة في تشكيل مستقبل الذكاء الاصطناعي في البلاد، كما تسعى الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي إلى إنشاء نماذج محلية تعكس السياق اللغوي والثقافي للمنطقة.
رابعاً: الحوكمة والسياسة نحو قيادة مسؤولة لمستقبل واعد
قامت الحكومة بتطوير استراتيجية وطنية طموحة تشتمل على أطرٍ وطنية لإدارة وحوكمة تطبيقات الذكاء الاصطناعي، لضمان الشفافية والمساءلة، وأطلقت الكويت مسودة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025-2028)، التي تهدف إلى جعل الكويت مركزاً إقليمياً رائداً في هذا المجال، وتحدد الاستراتيجية ركائز تشمل إنشاء مراكز تميز، وتحويل القطاعات الحيوية (كالصحة والطاقة والتعليم)، وبناء قدرات الكوادر الوطنية. كما تعمل على تطوير هذه الاستراتيجية لجنة تنسيقية عليا تضم كبار المسؤولين من CITRA والمركز الوطني للأمن السيبراني والجهات الأكاديمية والخاصة.
وعلى الصعيد الدولي، ترأست الكويت الجمعية العامة الخامسة لمنظمة التعاون الرقمي (DCO)، حيث تم اعتماد «إعلان الكويت» حول الذكاء الاصطناعي المسؤول، مما يعكس التزامها بالحوكمة العالمية من خلال قيادة إقليمية واعدة، كما تعمل CITRA على تحديث لوائح تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي لحماية المستخدمين ومنع إساءة استخدام البيانات.
وبشكل عام يمثل مسار الكويت نحو الذكاء الاصطناعي السيادي خطوة استراتيجية لتحقيق رؤيتها المستقبلية، وبالرغم من التقدم الملموس من خلال الاستثمار في البنية التحتية، ووضع الأطر التشريعية، وتطوير الكوادر البشرية، فإن التحديات لا تزال قائمة ولعل من أبرزها محدودية عدد مراكز البيانات المتخصصة، والفجوة في المهارات المتخصصة، والحاجة الماسة لتطوير تشريعات واضحة للأمن السيبراني، وضمان التنسيق بين الجهات المختلفة لتجنب تداخل الأدوار، خاصة في ظل غياب استراتيجية رقمية مستقلة عن رؤية 2035.
وفي الختام يقف الذكاء الاصطناعي السيادي في الكويت عند مفترق طرق بين الطموح والتطبيق، ومن خلال استمرار الحكومة والقطاع الخاص في تنفيذ المشاريع الطموحة، وتطوير الأطر القانونية والتنظيمية، يمكن القول إن الكويت تبني أسساً متينة لاقتصاد رقمي مزدهر. ومع ذلك، فإن النجاح النهائي سيتوقف على القدرة على التغلب على التحديات الهيكلية، وتسريع وتيرة بناء القدرات الوطنية، وتحويل السياسات إلى إنجازات ملموسة تعود بالنفع على المواطنين والاقتصاد الوطني.