أشارت ورقة سياسات اقتصادية Policy Paper، المعدّلة في 10 يونيو 2026، تحت موقع وزارة الأعمال والتجارة البريطانية (https://www.gov.uk/government/publications/uk-gulf-cooperation-council-gcc-trade-deal-conclusion-summary)، إلى ملخص اتفاقية التجارة الحرة FTA الموقعة بين المملكة المتحدة («المملكة فيما بعد»، ممثلة في وزير الأعمال والتجارة البريطاني، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية «المجلس فيما بعد»)، في 20 مايو 2026.

وتعتبرهذه الاتفاقية أول اتفاقية يوقعها أحد أعضاء «مجموعة السبع G7» مع بلدان المجلس. وما زالت بانتظار مناقشتها من البرلمان البريطاني والموافقة عليها. 

واستهل الملخص بالتأكيد على أن الاتفاقية تهدف الى تعزيز النمو الاقتصادي البريطاني، والمتسق مع أهداف استراتيجية التجارة الهادفة الى تعزيز دور التجارة لرفع معدل النمو، من خلال إزالة القيود التجارية أمام صادرات المملكة (من خلال الإلغاء الفوري لحوالي 93% من القيمة التعريفية على الصادرات السلعية)، وخدمة «السياسة الصناعية» المحدّثة لعام 2025، والمتاحة على نفس الموقع، من خلال توفير فرص استثمارية لرجال أعمال المملكة، خصوصاً في الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، العاملين بدول المجلس (من خلال المساهمة في الاستثمارات المرتبطة ببرامج التنويع، والخطط الاقتصادية). 

Ad

ويشير الملخص إلى الاستفادة الفورية لعدد من القطاعات السلعية، من خلال الإلغاء الفوري للقيود الجمركية، مثل قطاعات قطع الغيار آلات الفضاء، وقطع سيارات الركاب، والأغذية (الجبن، والشيدر، والشوكولاته، والبسكويت)، إضافة الى تسهيلات جديدة من دول المجلس بشأن التدفقات الحرة للبيانات، وتخفيض قواعد توطين البيانات، وتحسين الوصول للتأشيرات، والتنقل للمهنيين البريطانيين عبر قطاعات التكنولوجيا، والأمن السيبراني، والقطاعات المالية، إضافة الى تبسيط الإجراءات الجمركية، وترشيد القيود غير الجمركية، مثل إنجار التخليص الجمركي خلال 48 ساعة، و10 ساعات للسلع القابلة للتلف. 

وتترتب على هذه المزايا مكاسب اقتصادية للمملكة، كما ورد في الملخص والتقرير الفني قبل أخذ آثار التطورات الجيوسياسية الأخيرة بنظر الاعتبار، تقدّر بحوالي 3.7 مليارات جنيه إسترليني، سنوياً (بين عامي 2024,2040)، وارتفاع صادرات المملكة لدول المجلس بنسبة 22.6% (حوالي 14.3 مليار جنيه)، يقابله ارتفاع بواردات دول المجلس من المملكة بنسبة 8.2% (نحو 1.3 مليار جنيه)، وتغير في إجمالي التجارة بين المملكة ودول المجلس، المقدّرة عام 2024 بنحو 53 مليار جنيه، بنسبة 19.8% (أي بحوالي 15.5 مليار جنيه)، وتحسّن في الأجور الحقيقية بالمملكة بحوالي 0.2% (أو ما يعادل 1.9 مليار جنيه)، علماً أن تقدير الآثار الاقتصادية للاتفاقية قد تم من خلال استخدام نموذج للتوازن العام القابل للحساب (CGE Model)، ضمن مشروع تحليل التجارة العالمية GTAP. 

أما في مجال الاستثمارات، فتهدف الاتفاقية الى تعزيز فرص المستثمرين البريطانيين في دول المجلس، من خلال الاستفادة من مشروعات التنويع الاقتصادي، مثل تلك المرتبطة بأنشطة الذكاء الاصطناعي، والتعليم، والصحة، والتكنولوجيات المالية FinTech، والصناعات التحويلية المتقدمة، والطاقة النظيفة. 

وتشير الاتفاقية، أيضاً، الى أن هناك أكبر أربع صناديق سيادية تقع في دول المجلس، وبقيمة أصول تقدّر بحوالي 3.4 تريليونات دولار. وتعتبر المملكة، تاريخياً، إحدى أهم الدول المستفيدية من استثمارات هذه الصناديق، مثل تلك المرتبطة بمطار هيثرو، والاستثمارات في عمالقة شركات تجارة التجزئة البريطانية، والمحافظ الاستثمارية (الاستثمار الأجنبي غير المباشر)، والمشتقات المالية، والخصوم والأصول المالية الأخرى، التي تقدر جميعها بحوالي 485 مليار جنيه (شاملة اليمن والعراق).

وفقاً لموقع «حركة عدالة التجارة Free Trade Movement»،   يشير استطلاع للرأي العام البريطاني، عام 2024، إلى أن 21% فقط من الجمهور يؤيد عقد الاتفاقية لاعتبارات غير اقتصادية كثيرة، منها اعتبارات التغيرات المناخية المرتبطة بالتجارة العالمية. أما مجلس العموم البريطاني، البرلمان، فقد أورد في تقريره السابع حول الاتفاقية، للموسم النيابي 2022/2023، عدد من التحفظات، منها، على سبيل المثال، تفضيل الاتفاق مع كل بلد من بلدان المجلس على حدة لاختلاف الأطر التشريعية وبيئة الأعمال واعتبارات أخرى.  ودعا التقرير إلى أهمية دعم المصدرين البريطانيين، من خلال، مثلاً، تمويل البحث والتطوير وجعل صناعة اللحوم الحلال في المملكة أكثر تنافسية، وإنشاء مركز معلومات تجاري واحد مجاني مخصص لتبسيط عملية التصدير للشركات البريطانية.

والآن، وبقدر تعلق الأمر باقتصادات دول المجلس، وفقاً لإحصاءات موقع «مرصد التعقد الاقتصادي OEC»، لعام 2024، فإن الصادرات البريطانية لدولة الكويت، مثلاً، تقدّر بحوالي 672 مليون دولار (يتمثل أغلبها بقطع غيار الطائرات، والتوربينات الغازية، والسيارات، والأدوية، والتليفونات، وغيرها)، تقابلها صادرات كويتية للمملكة بنحو 2.7 مليار دولار (أغلبها منتجات بترولية مكررة، وبوليمرات الإثيلين، ولوحات التحكم الكهربائية. ورغم أهمية هذه الصادرات الاّ أنها تتصف بالتركز وليس التنوع). وتطبق دول المجلس، شاملة الكويت، تعريفة جمركية عامة في حدود 5% على وارداتها السلعية (وفقاً لالتزامات اتفاقيات تجارتها الإقليمية والمتعددة الأطراف). 

وفي حالة إلغاء حوالي 93% من القيود التعريفية، كما أشرنا أعلاه، بعد إقرار الاتفاقية، لا بد أن تتأثر الإيرادات غير النفطية بالموازنة  العامة سلباً (التي تمثل حوالي 12% من مجموع الإيرادات غير النفطية لموازنة 2026/2027 التقديرية)، ضمن تأثيرات على متغيرات اقتصادية كلية أخرى.  

وبالإشارة إلى إحصاءات عام 2025 البريطانية، هناك تفاوت كبير بين الأهمية النسبية للصادرات لدول المجلس إلى مجموع الصادرات البريطانية. حيث تصدرت الإمارات، 1.69%، تليها السعودية، 1.09%، ثم قطر، 0.46%، والكويت، 0.24%، وعمان، 0.13%، والبحرين، 0.11%. 

أما في مجال الواردات من دول المجلس إلى مجموع الواردات البريطانية، فقد تصدرت الإمارات، أيضاً، 1.87%، تلتها السعودية، 0.71%، ثم الكويت، 0.60%، وقطر، 0.30%، وعمان، 0.11%، والبحرين، 0.05%. 

معنى ذلك أن التبادل التجاري لدول المجلس مع المملكة يتصف بالتفاوت سواء على مستوى الصادرات أو الواردات (حيث تمثل الإمارات أعلى، والبحرين أقل أهمية نسبية). بالتالي ليس من المفضل وضع كل دول المجلس في سّلة واحدة لتتقييم المزايا النسبية للاتفاقية. 

والأهم من ذلك بكثير، وبعد البحث في المعلومات المتوفرة ضمن المواقع الاقتصادية بدول المجلس (مثل موقع الأمانة العامة لهذه الدول، والغرف التجارية والصناعية) لم يلاحظ وجود تقارير أو دراسات تقيّم النتائج المحتملة للاتفاقية من وجهة نظر دول المجلس. علماً أن هناك الكثير من القنوات التي تؤثرأو تتأثر بالاتفاقية، في حالة إقرارها تشريعياً. 

بالإضافة لاعتبارات عوائد التعريفة المشار إليها أعلاه (التي تستخدم حالياً لتقليل عجز الحساب التجاري في أكبر اقتصاد عالمي، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف)، فإن هناك تقييمَ إمكانية تضارب التزامات بعض دول المجلس مع التزاماتها ضمن اتفاقيات تجارة حرة سابقة، أو ما يسمى بمشاكل تشابك اتفاقيات التجارة الحرة Mushrooming Regionalism. 

كما أن دول المجلس تتفاوت خصوصاً في مجال درجة تحريرالخدمات المختلفة، وبشكل أخص خدمات الوساطة المالية (مقارنة حالة دولة الكويت مثلاً مع الإمارات والبحرين)، بالتالي فإن نتائج رفع القيود على استثمارات أنشطة الخدمات المالية لابد أن يخضع لتقييم يتفاوت من بلد لآخر من بلدان المجلس. 

ولم يلاحظ تقييم الاتفاقية وآثارها على مجالات التنافس بين أولويات السياسات الصناعية لبلدان المجلس، والسياسة الصناعية البريطانية المشار إليها أعلاه. فمن مصلحة السياسات الصناعية الخليجية توفير حماية للصناعيين المحليين، على الأقل بالأجل القصير والمتوسط، وهو الأمر الذي قد يتضارب مع ما تسعى إليه الاتفاقية من مشاركة المستثمرين البريطانيين بالمشروعات الصناعية لدول المجلس، خصوصاً الأنشطة الصغيرة والمتوسطة، التي تعاني من مشاكل لاسيما في العديد من دول المجلس، في مجال الفرص الاستثمارية. وترتبط دول المجلس، كإقليم اقتصادي، وكدول، بالالتزامات من جرّاء عضويتها بمنظمة التجارة العالمية WTO (في مجال السلع وفقاً للمادة 24، اتفاقية الجات GATT المدمجة مع إتفاقيات المنظمة، وفي مجال الخدمات المادة 5 في اتفاقية تحرير التجارة GATS، وفي مجال المعاملة الخاصة للبلدان النامية وفقاً لشرط التمكين  Enabling Clause في جولة طوكيو 1979، وغيرها)، وهو الأمر الذي كان يستدعي توضيحات لمدى اتساق أو تضارب التزامات الاتفاقية مع الالتزامات الإقليمية والدولية السابقة. 

لذا من المهم إعداد مثل هذه التقييمات، وتأثيراتها على أهم متغيرات الإقتصادات الكلية لبلدان المجلس، كما فعل الجانب الاقتصادي البريطاني، وصولاً إلى عرض شامل لآثار الاتفاقية سيستفيد منه متخذو القرارات النهائية. هناك جهد فني مطلوب لتقييم الاتفاقية إيجاباً وسلباً.