لم يعد المشروع الإيراني مجرد ملف سياسي قابل للتفاوض، ولا مجرد تنافس إقليمي على النفوذ، بل تحوّل إلى مشروع أيديولوجي عابر للحدود يستهدف إعادة تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط على حساب الدول العربية.
فمنذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، لم تتعامل طهران مع حدودها بوصفها نهاية لسيادتها، بل باعتبارها نقطة انطلاق لمشروع يقوم على تصدير الثورة، وبناء مناطق نفوذ موازية لسلطات الدول، وإحلال الولاء العقائدي محل الانتماء الوطني. ومن هنا تكمن خطورته، فهو لا ينازع الحكومات على السياسات، وإنما ينازعها على وجودها ذاته. ولذلك لم يكن توسع النفوذ الإيراني نتاج تفوق اقتصادي أو تنموي أو جاذبية حضارية، وإنما قام على استراتيجية ثابتة تقوم على استثمار الانقسامات الداخلية، وتسليح الجماعات المسلحة، وإضعاف مؤسسات الدولة، حتى تصبح العواصم العربية رهينة لقوى تدين بولائها لطهران أكثر من ولائها لأوطانها. ولهذا تشابهت التجارب في عدد من الساحات، إذ اختلفت الجغرافيا، لكن بقيت الأدوات والنتائج واحدة: دولة ضعيفة، وميليشيا قوية، واقتصاد منهك، وسيادة منقوصة.
ولأن أي مشروع توسعي يحتاج إلى أدوات تحميه، فقد بنت إيران منظومة متكاملة تقوم على ثلاثة أركان مترابطة. الركن الأول هو القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة التي تحولت من وسائل دفاع إلى أدوات ردع وابتزاز سياسي، تهدد بها أمن الخليج، وحرية الملاحة، ومنشآت الطاقة العالمية. أما الركن الثاني فهو البرنامج النووي، الذي لا يقتصر خطره على امتلاك قدرة عسكرية محتملة، بل في توفير مظلة استراتيجية تسمح لإيران ووكلائها بتوسيع أنشطتهم دون خشية من ردع حاسم. ويأتي الركن الثالث ممثلاً في الحرس الثوري وفيلق القدس وشبكات الوكلاء، التي أصبحت أداة لإدارة الصراعات، وتهريب السلاح، وتنفيذ الاغتيالات، وزعزعة الاستقرار داخل الدول. ولذلك لم تعد كلفة هذا المشروع سياسية فحسب، بل أصبحت إنسانية واقتصادية واستراتيجية. فالحروب التي غذتها الميليشيات الموالية لإيران أودت بحياة مئات الآلاف، ودفعت ملايين البشر إلى النزوح، وأنتجت دولاً منهكة فقدت قدرتها على التنمية، وأصبحت تعيش على المساعدات الدولية.
كما تحولت الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إلى ورقة ضغط تهدد أمن الطاقة العالمي، وهو ما يعني أن آثار المشروع الإيراني لم تعد محصورة في الإقليم، بل امتدت إلى الاقتصاد الدولي بأسره. وتتجاوز خطورة هذا المشروع حدود الشرق الأوسط لأنه يقدم نموذجاً جديداً للحروب، حروب تُدار عبر الوكلاء، وتُخاض تحت سقف الردع النووي، وتستنزف الدول من الداخل قبل أن تواجهها من الخارج. وإذا ترسخ هذا النموذج، فإنه سيقوض أحد أهم مبادئ النظام الدولي، وهو سيادة الدولة واحتكارها المشروع للقوة، ويفتح الباب أمام سباقات تسلح وصراعات إقليمية يصعب احتواؤها.
إن مواجهة هذا المشروع لا تكون بإدارة الأزمات أو شراء الوقت، بل بمعالجة جذور المشكلة. فالمطلوب ليس احتواء السلوك الإيراني فحسب، وإنما منع تحول الميليشيات إلى بديل عن الدولة، وتجفيف مصادر تمويلها، ودعم مؤسسات الدول الوطنية، ومنع امتلاك إيران للسلاح النووي، لأن امتزاج الأيديولوجيا التوسعية بالقوة النووية سيخلق معادلة تهدد استقرار المنطقة لعقود طويلة. لقد أثبتت التجربة أن التهاون مع المشاريع التوسعية لا يصنع السلام، بل يؤجل الانفجار. فالمشروع الإيراني لا يهدد حدود الدول فقط، وإنما يهدد فكرة الدولة الوطنية ذاتها، ومن ثم فإن التصدي له لم يعد خياراً سياسياً، بل ضرورة لحماية أمن المنطقة واستقرار المجتمع الدولي.