القضية الفلسطينية، وما أدراك ما القضية الفلسطينية! تاريخ من الانعطافات المدمرة والخيارات الخاطئة التي أضعفت قضية تراكمت من حولها التضحيات دون تحقيق نتائج تلبّي أقل طموحات الشعب الفلسطيني.
وكأي شعب يعاني الاحتلال، تولّت الفصائل الفلسطينية على اختلافها رفع شعارات التحرير، وتمكّنت منظمة التحرير الفلسطينية من نيل الاعتراف العربي والدولي بأنها الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بقيادة حركة فتح التي أُسّست في دولة الكويت أواخر خمسينيات القرن الماضي.
ولست هنا بصدد السرد التاريخي للكثير من المحطات التي أدّت فيها الفصائل الفلسطينية دوراً مهماً في إضعاف القضية الفلسطينية، ويمكن تلخيصها في التالي:
أولها الدخول عام 1970م في مواجهة عسكرية شاملة مع الجيش الأردني، فيما عُرف بـ «أحداث أيلول الأسود»، وهو ما أدى إلى خروج المقاومة من الأردن، وخسارة حاضنة جغرافية لم تدَّخر وسعاً في مساعدة المهاجرين الفلسطينيين.
ثانياً: الدخول كطرف في الحرب الأهلية اللبنانية، مما أضعف جبهة المقاومة، وتسبب في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982م وخروج منظمة التحرير إلى تونس.
ثالثاً: وكانت تلك الضربة الموجعة لمصدر مهم لتمويل الفلسطينيين في الداخل، عندما اتخذت منظمة التحرير وأغلب الفصائل الفلسطينية قرار الانحياز للعراق عندما غزا دولة الكويت، وهو ما أدى إلى خروج 400 ألف فلسطيني من الكويت.
وتوجد ضمن هذا المشهد مئات المحطات لقرارات مدمرة لفصائل فلسطينية قررت التحالف يميناً ويساراً مع أنظمة عربية، مثل العراق وسورية وليبيا، وتنفيذ مهمات لمصلحة تلك الأنظمة، فضلاً عن الاقتتال الداخلي والتنافس على تنفيذ عمليات خطف الطائرات، إلّا أن ما ظل ثابتاً هو استمرار التحالفات الخاطئة وتعمُّد خسارة جميع الأطراف الداعمة للقضية الفلسطينية، وبلد مثل مصر خاضت الكثير من الحروب مع الصهاينة، نالها الكثير من الأذى والتطاول من بعض الفصائل الفلسطينية، وفي الوقت نفسه يتم الاستنجاد فيها كلما ضاقت بهم الحال، ومصر في المقابل يتّسع صدرها وتتدخل لمصلحتهم.
آخر التحالفات الفلسطينية المدمرة، هو إلقاء حركة حماس كل بيضها في سلّة النظام الإيراني، وتحوّلها إلى ذراع شبيهة بأذرع إيران في لبنان واليمن، في مرحلة ما بعد الدمار الشامل لغزة.لقد اختارت «حماس» بشكل واضح وعلني ومكرر خلال حرب غزة وبعدها، وبعد تشكيل قيادتها الجديدة، أن تكون في خندق النظام الإيراني والتخلّي عن عمقها العربي، وكأنها تكتب الفصل الأخير في مسيرتها.
ما لا تعرفه «حماس» وغيرها من الفصائل، أن الدعم العربي والخليجي والكويتي لفلسطين وقضيتها العادلة، لن يتأثر بانحراف هذا الطرف أو ذاك، وموقفنا من الصهاينة لن يتغير، لأن هذا الفصيل اختار التطبيل لعدو يستهدف منشآتنا السلمية، أو لأنّ ثلّة من الحاقدين باركوا قصف مدننا الآمنة بدلا عن تل أبيب!لقد حفظنا الدرس منذ عام 1990م، وما نراه قريباً من نتائج هذه الرهانات الخاسرة أنها لن تكون بأفضل حال مما سبقها، والسؤال الملحّ الآن: متى يظهر جيل فلسطيني ينهي هذه السلسلة المتلاحقة من الانعطافات المدمرة والخيارات الخاطئة؟