في ظل تشبث ميليشيا الحرس الثوري بعدوانها الغادر على دول المنطقة، أبلغت باكستان، التي تقود الجهود الإقليمية لوقف الحرب الآخذة في التمدد، إيران أن وقف اعتداءاتها الآثمة على الدول الخليجية أصبح شرطاً أساسياً لاستئناف أي مفاوضات لإنهاء الأزمة المتشعبة، في حين تتجه الأنظار لحسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار توجيه ضربة واسعة وغير مسبوقة لطهران.
وقالت ثلاثة مصادر باكستانية،
لـ «رويترز»، إن إسلام آباد تدرس، في إطار مبادرة تقودها الصين، سبل إعادة إطلاق المفاوضات المتوقفة بين واشنطن وطهران بهدف إنهاء الحرب المستمرة منذ نحو خمسة أشهر، مضيفة أن محادثات تمهيدية جرت خلال الزيارة الثانية لوزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني لإسلام آباد، ولقائه كبار المسؤولين الباكستانيين، بينهم قائد الجيش عاصم منير.
وبالتزامن مع تكثيف باكستان جهودها لاستئناف مسار التفاوض وإحياء مذكرة التفاهم لاحتواء التصعيد المحتمل وتأمين إمدادات الطاقة والأسمدة العالمية، طالب وزير الخارجية الصيني وانغ يي أمس، نظيره الإيراني عباس عراقجي، بإعطاء الأولوية للمفاوضات لحل النزاعات، معرباً عن قلقه البالغ من عودة التصعيد والتوتر إلى الخليج.
وعلمت «الجريدة»، من مصدر مطّلع أمس، أن الصينيين قدموا مقترحاً لطهران ينص في مجمله على إعلان وقف إطلاق نار غير محدد المدة وفتح «هرمز» وفقاً للبند الخامس من مذكرة إسلام آباد، بموازاة عقد اجتماع بين الجانبين الأميركي والإيراني لمناقشة أيّ خلاف بشأنه.
وبحسب المصدر، فإن الإيرانيين أبلغوا بكين عدم رفضهم للمقترح، وإمكانية تراجعهم عن عرقلة الملاحة بممر آمن للسفن التجارية قبالة سواحل سلطنة عمان، لحين التوصل إلى اتفاق بشأن إدارة المضيق الاستراتيجي، لكن بتحفُّظات في مقدمتها الحصول على ضمانات بأن الولايات المتحدة وإسرائيل لن تهاجما طهران مجدداً.
وأوضح المصدر أن التحفظات الإيرانية اشتملت على المطالبة بسحب واشنطن قواتها الهجومية من المنطقة قبل استكمال عودة الملاحة إلى طبيعتها بالمضيق، مع تعهُّد طهران بعدم تحصيل أي رسوم من السفن حتى انتهاء المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سلام وفقاً لمذكرة إسلام آباد، مع تأكيد وقف الحرب في المنطقة برُمّتها.
في السياق، كشف مصدر في وزارة الخارجية الإيرانية لـ «الجريدة»، أن بكين طالبت طهران بالضغط للجم ميليشيا الحوثي في اليمن، وإعادتها لوقف النار وفتح باب المندب أمام السفن التجارية من جديد.
وقال المصدر إن الإيرانيين أبلغوا الصينيين استعدادهم للتوسط بين الجانبين السعودي واليمني للاتفاق على هذا الموضوع، بشرط فك الحصار ووقف الحرب والأعمال العدائية، مشيراً إلى أن أحد المقترحات المقبولة إصدار قرار من مجلس الأمن بوقف الحرب بين جميع الأطراف في المنطقة.
وذكر أن الحوثيين أبلغوا بكين عبر الإيرانيين أن السفن التجارية التي ترفع العلم الصيني أو الروسي لن تكون مستهدفة من قبلهم، ويمكنها المرور بأمان بشرط التنسيق معهم قبل المرور كي لا تُستهدف بالخطأ.
وفي ظل إشارات إيرانية متضاربة بشأن مسار الحرب والدبلوماسية، ألقى عراقجي باللوم على ما وصفه بـ«انتهاك واشنطن» للبند الخامس في مذكرة التفاهم، وقال إنه كان ينبغي على الأميركيين طلب إضافة عليه لفتح المسار الجنوبي بمضيق هرمز قبالة سواحل سلطنة عمان، زاعماً أن طهران وحدها المسؤولة عن عودة الملاحة لطبيعتها بالممر الاستراتيجي.
ومع إكمال الضربات الأميركية لإيران يومها الـ 13، وسّعت إدارة ترامب بنك أهدافها بشكل غير مسبوق ليمتد من جنوب إيران وصولاً إلى بحر قزوين في أقصى الشمال، مستهدفة مقراً بحرياً ومنشآت حيوية للحرس الثوري في محافظة جيلان، إلى جانب مواقع قيادة وتخزين للمسيّرات وشبكات اتصالات في مناطق استراتيجية شملت بندر عباس وجزيرة قشم.
وبينما نقلت وكالة بلومبرغ عن مصادر مقربة، أنه محبط من وضع الحرب ويسعى إلى إلحاق خسائر انتقامية فادحة بإيران، ذكر ترامب، في رده على سؤال بشأن استراتيجية الخروج من الحرب، أن «هناك مخرجاً عسكرياً، يتمثل في مواصلة ما نقوم به حالياً، بل يمكننا زيادة وتيرة الضربات، وهو ما يؤدي إلى القضاء على كل ما لديهم. وهناك استراتيجية أكثر ذكاء، وهي التوصل إلى اتفاق».
وأشار ترامب إلى استعداده وجاهزيته للتحرك، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي بدأ الحرب معه بشكل مشترك، سيزور واشنطن غداً لإجراء مشاورات حاسمة، وسط تقارير عن تأهبٍ في الدولة العبرية لاحتمال العودة للقتال بشكل كامل، وقيام شركات طيران أجنبية بإلغاء رحلاتها من تل أبيب وإليها.
ورغم توسيع الجيش الأميركي بنك الأهداف التي قصفها أمس الأول لتصل إلى مناطق قرب بحر قزوين شمال إيران، شهد ليل الجمعة ــ السبت هدوءاً حذراً في وتيرة ضربات القيادة الوسطى (سنتكوم) واعتداءات إيران الآثمة ضد دول المنطقة.
وفي إطار فرض السيطرة البحرية، أعلنت «سنتكوم» إطلاق النار على غرفة محركات ناقلة نفط وتعطيلها، إثر محاولتها خرق الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية أربع مرات دون الامتثال للتحذيرات المتكررة.
وفي تفاصيل الخبر:
بعد أسبوعين من انهيار الهدنة المؤقتة وانسداد مسار التفاهم الدبلوماسي، توعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليل الجمعة ــ السبت، إيران بـ «عقاب عسكري كبير يدمّر كل ما لديها»، في وقت وضعت باكستان، التي تقود بمساعدة قطر وعمان وقوى إقليمية مسار التهدئة، وقف الهجمات على السعودية ودول الخليج الأخرى شرطاً مسبقاً لاستئناف أي محادثات جديدة.
وخلال عشاء مراسلي البيت الأبيض الثاني، أكد ترامب توجيه ضربات بالغة القوة أدت إلى تدمير السلاح الجوي الإيراني بالكامل، بما يشمل نحو 250 طائرة حربية، ولفت إلى أنه سيستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد غد الثلاثاء لإجراء مشاورات حاسمة بشأن التطورات الإقليمية واحتمال العودة الكاملة للحرب.
وقال ترامب، إنه لم يتخذ بعد قراراً بشأن تنفيذ تهديده بشن ضربات واسعة وغير مسبوقة ضد إيران، مضيفاً أن الحرب مع إيران «تسير بشكل جيد للغاية»، داعياً إلى عدم تصديق ما وصفها بـ«الأخبار الكاذبة».
وتابع ترامب من البيت الأبيض: «نتحدث معهم، أعتقد أنهم يتعاملون بجدية، وأعتقد أنهم الأكثر جدية مقارنة بما رأيناه سابقاً، لكن هذا لا يعني أننا سنتوصل إلى اتفاق».
ورداً على سؤال بشأن استراتيجية الخروج من الحرب التي تمسّ أمن المنطقة وامدادات الطاقة العالمية، قال ترامب: «هناك خيار عسكري، وهو أن نستمر كما نفعل الآن، ويمكننا حتى أن نزيد وتيرة الضربات، وهو ما يدمر كل ما لديهم. وهناك استراتيجية أكثر ذكاءً، وهي التوصل إلى اتفاق».
وعقد ترامب اجتماعاً مع كبار مستشاريه لاتخاذ قرار بشأن تكثيف الهجوم العسكري بما قد يشمل شن ضربات على الجسور ومحطات الطاقة والأصول النووية شديدة التحصين وصولاً إلى تنفيذ عمليات برية بقوات خاصة للسيطرة على مناطق استراتيجية في مقدمتها جزيرة خرج التي تمثل عصب صادرات النفط الإيراني.
ونقلت وكالة «بلومبرغ» عن مصادر مقربة أن ترامب محبط من وضع الحرب، ويسعى إلى إلحاق خسائر فادحة بإيران، موضحة أن الرئيس الجمهوري لجأ الآن إلى «سياسة الانتقام من طهران».
انتقام ودبلوماسية
وشهد ليل الجمعة - السبت هدوءاً حذراً في وتيرة القيادة الوسطى «سنتكوم» واعتداءات إيران الآثمة ضد دول المنطقة في وقت كثّفت باكستان جهودها بمساعدة الصين في محاولة لاستئناف مسار التفاوض وإحياء مذكرة التفاهم لاحتواء التصعيد المحتمل.
وبموازاة قيام وفد دبلوماسي عُماني بزيارة إلى طهران لبحث إدارة مضيق هرمز، أكد وزيرا خارجية عُمان بدر البوسعيدي وإيران عباس عراقجي أهمية إرساء السلام في المنطقة وتأمين الملاحة في المضيق.
وخلال لقاءات منفصلة في قرغيزستان مع نظرائه الباكستاني إسحاق دار والصيني وانغ يي والروسي سيرغي لافروف، كرر عراقجي اتهامه لواشنطن بالتسبب في الوضع الراهن بهرمز و«انتهاك مذكرة إسلام آباد»، معتبراً أنه «كان على الأميركيين التشاور معنا لإضافة أو حذف أي ممر بالمضيق لتصبح في إطار البند الخامس» في إشارة إلى مسار سلطنة عُمان الذي تم تدشينه بالتفاهم بين مسقط والأمم المتحدة وبحماية الجيش الأميركي. وادعى أن إيران هي من تحدد الترتيبات اللازمة لعودة حركة المرور في المضيق الاستراتيجي إلى مستويات ما قبل الحرب.
من جهته، أكد وانغ يي أنه ينبغي إعطاء الأولوية إلى استئناف المفاوضات لحل النزاع في أقرب وقت وتنفيذ مذكرة التفاهم، مشدداً على أن بكين تشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد التوترات مجدداً في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج. وجاء ذلك في وقت ذكرت مصادر لـ«رويترز»، أن باكستان تستكشف سبيلاً لاستئناف المحادثات المتعثرة بعد تحرك بقيادة بكين في هذا الاتجاه.
وأفادت «رويترز»، نقلاً عن مصادر باكستانية، بأن وقف الاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية أصبح شرطاً أساسياً لاستئناف أي مفاوضات، مؤكدة أن إسلام آباد أبلغت طهران بهذا الموقف.
من جهة ثانية، نقل موقع «أكسيوس» عن دبلوماسيين أوروبيين ومصدّرين مطلعين أن واشنطن ولندن تخططان لعقد اجتماع رفيع المستوى في العاصمة البريطانية الأسبوع المقبل، لبحث تشكيل تحالف دولي محتمل يتولى حماية الملاحة في هرمز.
ميدانياً، أعلنت «سنتكوم» تعطيل ناقلة تجارية في خليج عُمان بعد محاولتها اختراق الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية رغم تحذيرها أربع مرات، مشيراً إلى أنها ثاني سفينة تُعطّل منذ إعادة الحصار، فيما أُعيد توجيه 12 سفينة تجارية أخرى منذ بدء تنفيذ الحصار.
وخلال 13 يوماً متتالية، كانت «سنتكوم» تنشر بيانات تؤكد تنفيذ ضربات ضد أهداف في البر الإيراني، إلا أنها لم تصدر أي إعلان مماثل يوم السبت.
وعلى الجانب الآخر، زعم «الحرس الثوري» أن 4 سفن تراجعت عن عبور هرمز بعد تلقيها طلقات تحذيرية، فيما أكدت السلطات الصحية عدم وقوع أي ضحايا جراء ضربات أميركية ليل الجمعة السبت لأول مرة منذ بدء جولة التصعيد.
ووسط تسريبات عن استفادة طهران من صور أقمار صناعية وتبنيها لأساليب مستوحاة من هجمات روسيا في أوكرانيا لتنفيذ ضرباتها الأخيرة، أعلن الاتحاد الأوروبي موافقته على طلب أميركي بتأخير نشر صور برنامج «كوبرنيكوس» التي تغطي منطقة في خليج عُمان لمدة 24 ساعة، وهي المساحة التي تنفذ فيها الولايات المتحدة حصارها البحري ضد إيران.