«إن العوان لا تُعلَّمُ العُهْرَ»... مثل عربي قديم يُضرب لمن كانت شيمته الغدر، لمَن لا يحتاج مَن يعلّمه المكر والخيانة المتأصلَين فيه، فيجب أخذ الحذر منه.
وقال أحد الأمثال العربية عن التحذير من الغادر: «مِنْ أَمْنِهِ أُتِيَ الحَذِرُ»، وهو تحذير صريح لئلا يقع الحريص في فخ الخيانة والغدر، ممن يُظَن أنه مصدر أمان، فهو كما قال الشاعر:
يُعْطِيكَ مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ حَلاَوَةً وَيَرُوغُ مِنْكَ كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
فيُظهر لك المودة بالكلمات المعسولة، وهو يضمرُ لك الغدر والخديعة.
وأوضح الله تعالى كرهه للغادر الخوان في قوله: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا»، وفي قوله: «وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ»، وقال فيمن كانت الخيانة ديدنهم: «وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».
أما الرسول، ﷺ، فقال عن الغادر: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ»، وقال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصاً، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ».
أما أعظم غدر تعرّضت له أمتنا فكان غدر أبي لؤلؤة الفارسي المجوسي بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، غدرٌ شكّل صدمة مروّعة في التاريخ الإسلامي.
كانت أول حادثة اغتيال لرأس الدولة الإسلامية وهو في صلاته، وفي أقدس بقعة في الأرض بعد مكة المكرمة، بقيت هذه الحادثة في الذاكرة العربية رمزاً للخديعة واستخدام أسلوب الاغتيال والترصّد بدلاً من المواجهة الشريفة في ميدان الحرب. كان اغتيال حقد فارسي لقائد كان له الفضل، بعد الله، في هداية أمّة بأكملها إلى الإسلام، وترك عبادة النار.
وعن اغتيال عمر قال أحد الشعراء:
لعِلْجٌ طَغَى وَبَغَى وَسَاءَ صَنِيعُهُ فِي المِحْرَابِ وَالنَّاسُ فِي إِقْبَال
يَسْعَى بِخَنْجَرِهِ المَشُومِ مُسَمَّماً غَدْراً يُصِيبُ المُنْقِذَ المِفْضَال
أَفَمِنْ شَنَارِ العِلْجِ يُطْعَنُ عُمَرُ؟ تَبَّتْ يَدَا الغَادِرِ بالخَبَال
وقال آخر، وكأنه يتحدث عن الغدر الإيراني في زماننا هذا:
يُبْدُونَ وُدّاً وَفي الأَحْشَاءِ ضِغْنُهُمُ كَالصَّلِّ يَكْتُمُ سُمّاً وَهْوَ يَنْسَرِبُ
فَلا يَغُرَّنَّكَ مِنْ فَرِسٍ تَبَسُّمُهُ فَالغَدْرُ شِيمَتُهُمْ إنْ جَاءَتِ النُّوَبُ
عَاهَدْتَهُمْ زَمَناً فَاسْتَيْقَظَتْ حِيَلٌ تَنْقُضُ العَهْدَ جَهْراً حِينَ تَقْتَرِبُ
وقال ثالث مكمّلاً وموضحاً أن الغدر يلجأ إليه مَن يخشى المواجهة المباشرة:
وَإِذَا العَدُوُّ جَثَا لِيُظْهِرَ سِلْمَهُ فَاحْذَرْ خَدِيعَتَهُ وَكُنْ يَقِظَ العَشِيّ
فَالغَدْرُ شِيمَةُ مَنْ يَخَافُ حُسَامَهُ وَيَرَى المَكِيدَةَ مَنْهَجاً لِأَخِي البَغِي
اللهم احفظ ديارنا وأمّتنا وديننا الحنيف من غدر العدو الإيراني وشروره، ومن أذرعه من خونة العرب.