• ربع قرن بين البحث الأكاديمي والإبداع، كيف ترين رحلتك مع الكلمة؟

- هي رحلة معرفة قبل أن تكون رحلة نشر أو حضور. الكلمة كانت دائما رفيقة حياتي، ومنها بدأت علاقتي باللغة، ثم تحولت إلى مشروع أكاديمي، قبل أن تتسع لتصبح مشروعاً إبداعياً، وكلما تقدمت في التجربة ازددت يقيناً بأن الكاتب لا يصل إلى محطة أخيرة، بل يبدأ من جديد مع كل نص، لأن المعرفة لا تعرف الاكتمال، والكتابة في جوهرها فعل اكتشاف مستمر للذات والإنسان والعالم.

• تمتلكين رصيداً أدبياً متنوعاً كيف تقرأين هذا المنجز اليوم؟

Ad

- أصدرت 5 دواوين شعرية هي: أيها الليل، وما زلت أغني بطبعتيه في القاهرة وبيروت، ويعصرون خمراً، وأحلام على تل الرماد، ووجع النخيل، كما أصدرت مجموعتين قصصيتين، هما «عندما ينحني الظل» و«بئر الغياب»، إلى جانب عشرات المقالات والدراسات في اللغة والثقافة وتحليل الخطاب، ومن وجهة نظري هذا الرصيد ليس كتبا منفصلة بل أجزاء من مشروع واحد تجتمع وتنشغل بأسئلة الإنسان واللغة والهوية والذاكرة.

• تُوّجت بجائزة «سرد الذهب»، إلى جانب عدد من الجوائز والأوسمة العربية، ماذا تمثل لك هذه المحطات؟

- كل جائزة تمثل لحظة امتنان، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية. سعدت كثيراً بفوز «بئر الغياب» بجائزة «سرد الذهب»، لأن الجائزة جاءت عن مشروع سردي حاول أن يقدم قراءة جديدة للأسطورة العمانية وهو «بئر الغياب»، كما أعتز بجائزة مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، وبالأوسمة التي حصلت عليها من مؤسسات ثقافية وأكاديمية عربية، لكنني لا أتعامل مع الجوائز بوصفها نهاية الطريق، بل حافز لمزيد من العمل، لأن قيمة الكاتب في النهاية تقاس بما يبقى من نصوصه، لا بعدد الجوائز التي ينالها.

• بدأتِ بالشعر قبل أن تتجهي إلى السرد والبحث الأكاديمي، ماذا منحك كل جنس أدبي؟

- الشعر هو الجذر الأول في تجربتي، ومنه تعلمت الإصغاء إلى موسيقى اللغة، وإلى التفاصيل الصغيرة التي تصنع الدهشة، أما القصة القصيرة فمنحتني مساحة أوسع للتأمل في الإنسان وتحولاته، ولرسم الشخصيات وبناء العوالم السردية. وفي المقابل، منحني تخصصي في اللسانيات وتحليل الخطاب أدوات لفهم اللغة وآليات إنتاج المعنى، لكنه لم يقيد خيالي، بل جعله أكثر وعياً، لذلك لا أشعر بأنني أتنقل بين عوالم مختلفة، بل أكتب بلغات متعددة لفكرة واحدة، أحياناً تأتي قصيدة، أو قصة، أو غيرهما.

من أعمالها

• هل ما زلت تؤمنين بأن الشعر هو ديوان العرب؟

- نعم أؤمن بذلك، لأن الشعر لم يكن يوماً مجرد قالب لغوي، بل كان حافظاً للذاكرة والوجدان والهوية. قد تتغير وسائل التعبير، لكن الشعر سيظل قادراً على اختزال التجربة الإنسانية في أكثر صورها كثافة وصدقاً. حتى عندما أكتب القصة أو المقال، أشعر بأن الحس الشعري يتسلل إلى اللغة والصورة والإيقاع، لأنه أصبح جزءاً من طريقتي في رؤية العالم. فالأدب، في النهاية، لا يغيّر العالم مباشرة، لكنه يغيّر وعينا به، ويمنحنا قدرة مختلفة على فهم الإنسان والحياة.

• ما الذي تبحثين عنه في النص قبل أن تبحث عنه لجنة تحكيم أو قارئ؟

- أبحث عن الصدق أولاً، ثم عن الدهشة، ثم عن الأثر. لا يشغلني أن يكون النص لامعاً بقدر ما يشغلني أن يكون قادراً على البقاء. النص الحقيقي هو الذي يظل يرافق القارئ بعد انتهاء القراءة، ويمنحه أسئلة جديدة، لا ذلك الذي يحقق ضجيجاً سريعاً ثم يختفي، لذلك أكتب للنص الذي يبقى، لا للنص الذي يلمع ويلفت الانتباه مؤقتاً.

• إلى أي مدى انعكس تخصصك في اللسانيات والخطاب على تجربتك الإبداعية؟

- أؤمن بأن العلاقة بين المعرفة والإبداع علاقة تكامل وليست تعارضاً، فاللسانيات وتحليل الخطاب منحاني وعياً أعمق باللغة، وبالطرق التي يُنتج بها النص معناه، وبقدرة الكلمة على التأثير في المتلقي، لكن هذا الوعي لا يقيد الخيال، بل يمنحه أدوات أكثر دقة. الكاتب يحتاج إلى الحس قبل النظرية، لكنه يحتاج أيضاً إلى معرفة تمكّنه من توظيف اللغة بوعي ومسؤولية، لذلك أحاول دائما أن أوازن بين العقل الذي يحلل والروح التي تبتكر، لأن أجمل النصوص هي تلك التي تخفي جهدها العلمي، وتترك للقارئ متعة الاكتشاف.

• كيف تقرأين المشهد الأدبي الخليجي اليوم، وما الذي يحتاجه ليصل إلى العالمية؟

- أعتقد أن المشهد الأدبي الخليجي يعيش مرحلة نضج مهمة، وأصبح يضم أصواتاً تمتلك خصوصيتها ورؤيتها، واستطاع بعضها أن يحقق حضوراً عربياً وعالمياً، لكن الوصول إلى العالمية لا يتحقق بالترجمة وحدها، بل يحتاج إلى مشروع ثقافي متكامل يبدأ بدعم الكاتب، ويمر بالنقد الجاد، والنشر النوعي، والترجمة الاحترافية، ولا ينتهي عند الجوائز، كما أننا بحاجة إلى نصوص تنطلق من بيئتنا وهويتنا، لأن العالم لا يبحث عن أعمال تشبه الآخرين، بل عن أصوات تعبّر عن ثقافتها بصدق.

• أقمتِ أمسية شعرية في رابطة الأدباء الكويتيين، حدثينا عن هذه التجربة الشعرية؟

- كانت أمسية «قطوف من أغاني الحب والحرب» محطة شعرية وإنسانية ثرية، حاولت من خلالها أن أقترب من ثنائية رافقت الإنسان عبر التاريخ، فالحب هو الأغنية التي تمنح الحياة معناها، والحرب هي الجرح الذي يختبر قدرة الإنسان على الصمود والأمل، وقد كان لإقامة الأمسية في رحاب رابطة الأدباء والكتاب في الكويت أثر خاص، فهي مؤسسة ثقافية عريقة لها حضورها في المشهد الأدبي العربي، واللقاء مع جمهور محب للشعر والأدب كان تجربة ثرية منحت النصوص حياة أخرى، كما تشرفت خلال زيارتي لدولة الكويت بزيارة مؤسسة عبدالعزيز سعود البابطين الثقافية، أهم المنارات الثقافية بالعالم العربي.

• ما مسؤولية المثقف العربي في ظل التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي؟

- مسؤولية المثقف اليوم أصبحت أكبر من أي وقت مضى، لأننا نعيش زمناً تتسارع فيه المعلومات أكثر من الأفكار. الذكاء الاصطناعي أداة معرفية مهمة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن التفكير أو الإبداع الإنساني. المطلوب من المثقف أن يحافظ على المعنى، وأن يعزز التفكير النقدي، وأن يستثمر هذه التقنيات في خدمة المعرفة، دون أن يسمح لها بإضعاف اللغة أو الهوية أو الحس الإنساني الذي يصنع الأدب الحقيقي.

• ما النصيحة التي تقدمينها للكتّاب الشباب في بداية الطريق؟

- أن يقرأوا أكثر مما يكتبون، وأن يتحلّوا بالصبر، لأن الكتابة ليست سباقًا نحو الشهرة أو الجوائز، وإنما رحلة طويلة من التعلم والتجريب. أنصحهم بألا يستعجلوا النشر، وأن يمنحوا النص حقه من المراجعة، وأن يبنوا مشروعهم على المعرفة واحترام اللغة والإنسان. الكاتب الحقيقي لا تصنعه بداية ناجحة، وإنما تصنعه سنوات من العمل المتواصل والإيمان بما يكتب.

• ما الحلم الذي لم تحققه غالية الزبيدي بعد؟

- كلما تحقق حلم، وُلد حلم آخر. لا أفكر في عدد الكتب التي سأصدرها، ولا في عدد الجوائز التي قد أحصل عليها، بقدر ما أفكر في الأثر الذي يمكن أن تتركه الكتابة. أتمنى أن أواصل تقديم أعمال تضيف إلى المكتبة العربية، وأن أستكمل مشاريعي البحثية في اللسانيات وتحليل الخطاب، أؤمن بأن النجاح الحقيقي ليس في أن يلمع اسم الكاتب، بل في أن يبقى نصه حيًا في ذاكرة القارئ، لأن الأدب قد لا يغيّر العالم دفعة واحدة، لكنه يغيّر طريقة النظر إليه، ومن هنا تبدأ كل التحولات الكبرى.