لم تعد أسعار النفط تُبنى على معادلة العرض والطلب وحدها كما كان الحال لعقود، فالسوق اليوم لا ينتظر انخفاض الإنتاج حتى يعيد التسعير، بل يستجيب منذ اللحظة الأولى لأي تراجع في الثقة بقدرة منظومة الطاقة العالمية على الاستمرار. وفي عالم يستهلك نحو 104 ملايين برميل يومياً، أصبحت استمرارية الإمدادات هي العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل توقعات المستثمرين والأسواق.

لقد أثبتت الأزمات الأخيرة أن النفط لم يعد مجرد سلعة، بل أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية ولوجستية ومالية مترابطة، لذلك لم تعد الأسواق تقيّم عدد البراميل المنتجة فقط، بل تقيّم قدرة هذه المنظومة بأكملها على العمل بكفاءة تحت الضغط.

فالسوق لا يراقب الحقول النفطية وحدها، بل يراقب مضيق هرمز، وباب المندب، وأمن الناقلات، وتكاليف التأمين البحري، واستمرار التمويل التجاري، ومستويات المخزون، والطاقة الإنتاجية الاحتياطية، والاحتياطيات الاستراتيجية، وقدرة «أوبك+» على التدخل، ومرونة المصافي، وإمكانية إعادة توجيه التدفقات عند حدوث أي اضطراب. وكل عنصر من هذه العناصر أصبح جزءاً من السعر النهائي الذي يدفعه العالم مقابل الطاقة.ولهذا، لم تعد علاوة المخاطر تعكس احتمال فقدان بعض البراميل فحسب، بل أصبحت تعكس تكلفة الحفاظ على استمرارية منظومة الإمدادات، فكلما تراجعت الثقة في قدرة هذه المنظومة على الصمود ارتفعت قيمة المرونة، حتى إن بقي الإنتاج الفعلي مستقراً.وتشكل المخزونات التجارية والاحتياطيات الاستراتيجية خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات، بينما تمثل الطاقة الإنتاجية الاحتياطية خط الدفاع الثاني. غير أن هذه الأدوات تمنح الأسواق وقتاً للتكيف أكثر مما تقدم حلاً دائماً، إذ إن استمرار أي اضطراب لفترة طويلة يؤدي تدريجياً إلى تآكل أثرها وارتفاع مستويات القلق.

Ad

ورغم النمو المستمر في إنتاج الولايات المتحدة وكندا والبرازيل وغيانا، فإن هذه الإمدادات لا تستطيع تعويض نفط الخليج بالكامل خلال فترة قصيرة، فاختلاف نوعية الخامات، والقيود اللوجستية، والطاقة الاستيعابية للموانئ والمصافي تحد من سرعة الاستجابة، وهو ما يجعل مرونة النظام النفطي العالمي أكثر أهمية من حجم الإنتاج وحده.كما تزداد حساسية الأسواق خلال فترات ارتفاع الطلب الموسمي، عندما تعمل المصافي بطاقات تشغيل مرتفعة وتتقلص هوامش الأمان، لتصبح أي اضطرابات في النقل أو الشحن أو الإنتاج أكثر تأثيراً على الأسعار.

وفي مثل هذه الظروف، قد تبقى الأسعار ضمن نطاق 85 إلى 100 دولار للبرميل إذا ظلت الاضطرابات محدودة. أما إذا امتد التعطل أو تقلصت الثقة بقدرة النظام على التعافي، فقد ترتفع إلى 100 – 125 دولاراً مع بدء السحب من المخزونات. وفي حال تعطل ما بين 5 و8 ملايين برميل يومياً لفترة ممتدة، فقد تصل الأسعار إلى 125 – 160 دولاراً، بينما يبقى تجاوز 160 إلى 200 دولار للبرميل سيناريو استثنائياً يرتبط بتعطل واسع وطويل الأمد في صادرات الخليج مع محدودية البدائل.

لكن الأثر الحقيقي لا يتوقف عند سوق النفط، فارتفاع تكلفة الإمدادات ينعكس مباشرة على النقل، ثم الطاقة، فالتضخم، فأسعار الفائدة، فتكلفة التمويل، ثم النمو الاقتصادي وأسواق المال، ولهذا، فإن أي خلل في منظومة الطاقة يتحول سريعاً إلى تحد اقتصادي عالمي يتجاوز قطاع النفط نفسه.لقد أمضى العالم عقوداً يسعى إلى تعظيم الكفاءة وخفض التكاليف، أما اليوم فهو يعيد تسعير عنصر آخر لا يقل أهمية، وهو المرونة. ولم يعد السؤال الذي يشغل الأسواق هو: كم ينتج العالم من النفط؟ بل: إلى أي مدى تستطيع منظومة إمدادات الطاقة العالمية الاستمرار والعمل بكفاءة إذا تعرضت لضغوط مفاجئة؟إن القيمة الاستراتيجية لم تعد تكمن في البرميل وحده، بل في قدرة النظام الذي ينقله على الاستمرار. وهذا هو المتغير الذي أصبحت الأسواق تعيد تسعيره، وهو ما سيبقى أحد أهم محددات أسعار النفط خلال السنوات المقبلة.

* باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية