في كل عصر، تُولد أفكار تَعِد الإنسان بالطريق الأقصر إلى ما يشتهيه، ويبدو أن عصرنا وجد هذا الوعد في كلمة واحدة: الاستحقاق.

أصبحنا نسمع كثيراً أن كل ما يفصل الإنسان عن النجاح أو الثراء أو الحب هو شعوره الداخلي بأنه يستحقها، وأن الكون لا يمنحه إلا بقدر ما يسمح هو لنفسه أن يستقبل، ثم تتسع الفكرة حتى تُربط بما يسمى «رفع الذبذبات»، أو «قانون الجذب»، أو غيرها من الطروحات التي توحي بأن تغيير الحالة الذهنية وحده كفيل بتغيير الواقع.

ولعل ما يزيد هذه الأفكار إقناعاً في نظر كثير من الشباب هو المشهد الذي يحيط بهم، فها هي الشهرة تُمنح أحياناً في أشهر قليلة، والثروة تبدو كأنها تُصنع من مقطع قصير على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما يقضي آخرون سنوات طويلة في الدراسة والعمل والاجتهاد دون أن يحظوا بالاهتمام ذاته، عند هذه النقطة، يصبح السؤال وجودياً أكثر منه اقتصادياً: هل ما زال للكد والاجتهاد قيمة، أم أن العالم لم يعد يكافئهما؟

Ad

أظن أن الخطأ بدأ عندما تحول مفهوم الاستحقاق من نتيجة إلى سبب.

فالإنسان لا يستحق لأنه يشعر بأنه يستحق، بل لأنه بنى نفسه حتى أصبح أهلاً لما يطلبه. إن الطبيب لا يصبح جديراً بثقة الناس لأنه كرر لنفسه أنه يستحقها، بل لأنه أمضى سنوات يصقل معرفته، والكاتب لا يستحق قارئاً لأنه يتوقعه، بل لأنه كتب ما يستحق أن يُقرأ، وحتى العلاقات الإنسانية لا تزدهر لأن الإنسان أقنع نفسه بأنه يستحق الحب، بل لأنه تعلم أن يمنحه، وأن يحافظ عليه، وأن يتحمل مسؤوليته.

إن الاستحقاق، بهذا المعنى، ليس شعوراً، بل أثر، إنه الأثر الذي تتركه العادات اليومية، والانضباط، والصبر، وإتقان العمل، وتربية النفس. إنه حصيلة ما أصبح عليه الإنسان، لا ما يتمناه لنفسه.

لكن في المقابل، لا يمكن اختزال الحياة في معادلة مادية تقول إن كل مجتهد سينال بالضرورة ما يريد، فالحياة أكثر تعقيداً من ذلك، والرزق أوسع من أن يُختصر في قانون بشري. كم من إنسان اجتهد وتأخرت ثمرة جهده، وكم من آخر فُتحت له أبواب لم يكن يتوقعها، هنا يظهر الفرق بين الاستحقاق والتوفيق.

فالاستحقاق مسؤولية الإنسان، أما التوفيق فمنحة من الله.

مسؤوليتك أن تبني نفسك حتى تكون قادراً على حمل الفرصة إذا جاءت، أما مجيء الفرصة نفسها فليس ملكاً لك، ولذلك كان التوكل في جوهره فعلاً يوازن بين أمرين: أن تعمل بكل ما تستطيع، وأن تؤمن في الوقت نفسه أن النتائج ليست حقاً مكتسباً، بل فضلاً وهبة.

وربما لهذا السبب كان أخطر ما تفعله بعض الخطابات الحديثة أنها تُحمّل الإنسان مسؤولية كل شيء؛ فإذا نجح قيل إن ذبذباته كانت مرتفعة، وإذا فشل قيل إنه جذب الفشل إلى نفسه. وهكذا يتحول الإنسان من باحث عن الحقيقة إلى متهم دائم أمام نفسه، ويصبح الواقع بكل تعقيداته مجرد انعكاس لحالته النفسية.

إن ما يحتاجه شباب اليوم ليس أن يقتنعوا بأن الكون مدين لهم بشيء، ولا أن يفقدوا إيمانهم بقيمة العمل عندما يرون نجاحات سريعة وعابرة. ما يحتاجونه هو أن يعيدوا ترتيب العلاقة بين السعي والرزق.

فالسعي ليس ثمناً نشتري به النتائج، بل هو الوسيلة التي نبني بها أنفسنا. والرزق ليس مكافأة آلية على الجهد، بل عطية يهبها الله بحكمة قد ندركها وقد لا ندركها. أما النجاح الحقيقي، فهو أن يغادر الإنسان كل يوم وقد أصبح أفضل قليلاً مما كان بالأمس، سواء جاءت الثمرة اليوم أم تأخرت.

ربما لهذا لا ينبغي أن يكون سؤالنا: هل أستحق؟ بل ينبغي أن يكون أكثر عمقاً: مَن أصبحت نفسي بعد كل هذا السعي؟

فقد تتأخر النتائج، لكن النفس التي صقلها الانضباط، ووسّعتها المعرفة، وهذّبها الصبر، لا تعود أبداً كما كانت. وذلك، في حد ذاته، أحد أعظم الأرزاق.