لم تسقط الإمبراطوريات فجأة، بل تراجعت حين اختل توازنها بين القوة والحكمة، فقد كشفت أزمة السويس عام 1956 حدود النفوذ البريطاني، عندما اصطدمت سياساته بواقع دولي لم يعُد يقبل منطق الهيمنة التقليدية.

واليوم، تبرز مؤشرات مشابهة في السلوك الأميركي، حيث تتزايد مظاهر الاعتماد على أدوات القوة دون إطار سياسي متماسك يواكب تعقيدات المرحلة. في مضيق هرمز، لم تعُد الولايات المتحدة يُنظر إليها فقط كضامن للاستقرار، بل كطرف فاعل في معادلة التصعيد. فالتركيز على الردع العسكري والعقوبات، في غياب مسار دبلوماسي واضح، يرفع منسوب التوتر ويُضعف الثقة بقدرتها على إدارة الأزمات بشكل متوازن. في المقابل، لا يمكن إغفال دور إيران في تعقيد المشهد، إذ تُسهم سياساتها القائمة على التهديد بإغلاق المضيق أو استهداف الممرات البحرية والمنشآت الحيوية بالخليج في زيادة حدة التوتر. وتمثّل هذه المنشآت، خصوصاً في مجالات الطاقة والمياه، ركائز أساسية لحياة السكان، مما يجعل استهدافها أو التلويح بذلك مصدر قلق إقليمي ودولي يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة. هذا التداخل بين سياسات القوة الأميركية ونهج التصعيد الإيراني ينعكس أيضاً على مواقف الحلفاء، حيث تتزايد المخاوف الأوروبية من تداعيات القرارات غير المنسقة وتراجع المساحات الدبلوماسية. وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن الاعتماد على القوة وحدها، سواء لفرض الاستقرار أو لتحقيق النفوذ، لم يعُد كافياً، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تعمّق الأزمات بدل احتوائها. ولا تقتصر تداعيات هذا النهج على الإطار الإقليمي، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، نظراً لأهمية مضيق هرمز في حركة التجارة والطاقة، فأي تصعيد غير محسوب قد ينعكس على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة، مما يجعل الاستقرار في هذه المنطقة مسألة ذات أبعاد دولية. كما شكّلت قناة السويس نقطة تحوّل في تراجع النفوذ البريطاني، وقد يصبح مضيق هرمز مؤشراً على تحديات تواجه الهيمنة الأميركية، فالتاريخ يبيّن أن سوء إدارة القوة، بقدر ما يعكس نفوذاً، قد يكون عاملاً في تقويضه إذا لم يقترن برؤية سياسية متوازنة.

في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مقاربة تقوم على احترام سيادة الدول، وتأمين الممرات البحرية، وحماية المنشآت الحيوية، بعيداً عن منطق التصعيد المتبادل. فاستقرار الخليج يتطلب توازناً بين الردع والحوار، وليس تغليب أحدهما على حساب الآخر. وفي خضمّ هذه التحديات، نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى رجال قوة الإطفاء العام، والعاملين في القطاع النفطي، ومحطات الكهرباء وتحلية المياه، وإلى منتسبي الجهات العسكرية والأمنية، والطواقم الطبية، وكل من واصل أداء واجبه لحماية الوطن وضمان استمرار الخدمات الأساسية. كما نتمنى الشفاء العاجل لجميع المصابين في مختلف القطاعات، الذين جسّدوا أسمى معاني المسؤولية والتضحية.

Ad

إن أمن الكويت لا تصنعه المواقف السياسية وحدها، بل يصنعه أيضاً رجال ونساء يقفون في الصفوف الأولى بصمتٍ وإخلاص، ويؤدون واجبهم في أصعب الظروف؛ لهم جميعاً كل الشكر والتقدير، فهم خط الدفاع الأول عن أمن الوطن واستقراره، وحصنه المنيع في مواجهة الأزمات.