يحدث كثيراً أن تقع أحداث في الحاضر، نجد الكثير من تفاصيلها مذكورة في رواية أو فيلم عًرض منذ سنوات طويلة، ومنذ مدة تحضرني تفاصيل فيلم خيالي عُرض أكثر من عشرين سنة، وجدت في نهايته الصادمة ما يستحق أن أرشحه للمشاهدة خاصة هذه الأيام.
فيلم Equilibrium، وهو مصنف خيال علمي وأكشن عُرض عام 2002م، من تأليف وإخراج كورت ويمر، وبطولة النجم كريستيان بيل، ويقدّم رؤية فلسفية عميقة حول الطبيعة البشرية والمشاعر، ويمزجها بأسلوب قتالي مبتكر، تدور أحداثه في المستقبل (عام 2072م) داخل دولة شمولية تدعى «ليبريا»، أُنشئت بعد دمار العالم في الحرب العالمية الثالثة.
يرى النظام الحاكم في «ليبريا» أن «المشاعر الإنسانية» هي السبب الرئيسي للحروب والجرائم والدمار، وبناء عليه يُجبر المواطنون يومياً على تعاطي عقار مخدر لكبح وإلغاء أي عاطفة أو إحساس، وتم تجريم اقتناء الكتب، واللوحات الفنية، والموسيقى، أو أي شيء قد يثير المشاعر، ويُعاقب المخالفون بالإعدام.
البطل «جون بريستون»، وهو ضابط رفيع المستوى في وحدة «رجال الدين المسؤولين عن ملاحقة مخالفي الحواس وإبادة المقتنيات الفنية»، تتبدل حياته تماماً عندما يكسر جرعته اليومية من العقار بالصدفة. يبدأ بريستون تدريجياً في اختبار مشاعر بشرية حقيقية لأول مرة، كالحزن، الخوف، تذوق الجمال والموسيقى، مما يدفعه إلى التحول من حامٍ للنظام القمعي إلى ثائر يسعى لإسقاطه.
تتشكل النهاية المثيرة للفيلم منذ ظهور شخصية الأب الذي يقود الدولة، ولا يظهر إلا عن طريق شاشة تلفزيونية موزعة في كل مكان، ومع تطور حالة المقاومة لدى بريستون لدرجة التخطيط لتدمير مصانع إنتاج العقار المخدر للمشاعر، يتم استدراجه إلى مقر الحكم الرئيسي ليلتقي دوبرون، نائب الحاكم والمحرك الفعلي للدولة، هناك يكتشف بريستون في القصر أن كبار المسؤولين لا يتعاطون العقار المخدر، ويعيشون في غرف سرية فاخرة مليئة باللوحات الفنية والموسيقى والمقتنيات الثمينة.
بعد معركة مثيرة من المواجهات بالسيف يتبين لبريستون أن «الأب» الذي حكم الدولة والشعب من خلال الشاشة قد مات منذ سنوات، وأن النظام استمر في استخدام صورته وفيديوهاته المُصنعة كرمز وهمي لبث الرعب والولاء في قلوب المواطنين، وبنفس الوقت نجحت المقاومة في تفجير مصانع العقار المخدر، واختل النظام بأسره بعد أن استعاد الناس مشاعرهم الإنسانية المكبوتة.
في الختام، لخصت نهاية الفيلم حالة تكررت في التاريخ، عندما يشيخ ويمرض أحد القادة، وتستمر الدولة وهو على قيد الحياة فترة من الزمن، لأن من يسيرون الدولة لا يملكون المشروعية الكافية للجلوس مكانه، والفيلم المذكور لم يبالغ كثيراً عندما أبقى القائد حياً وهو ميت بالفعل، لأن التكنولوجيا وطبيعة النظام أتاحت له الخلود، وما نعيشه هذه الأيام أكبر دليل عندما يحكم شخص مختف دولة كاملة دون أن يظهر على الناس ولو بالشاشة.