في أوقات الأزمات، لا تقل خطورة الشائعة عن الحدث نفسه. ذلك لأن الكلمة غير المسؤولة قد تربك المجتمع، وتؤثر في الروح المعنوية، وتمنح خصوم الدولة وأعداءها مساحة لتحقيق أهداف لا يمكن تحقيقها بالوسائل الاعتيادية. 

وقد أثبتت الأحداث الإقليمية الأخيرة، وما شهدته المنطقة من تصعيد طال أمن دول الخليج، أن المعركة لا تقتصر على الميدان، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي والإعلامي، حيث تنتشر الأخبار المضللة والمقاطع غير الموثوقة بهدف إثارة القلق وزعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية. إن تنبيهات الأجهزة المختصة في الكويت بشأن ضرورة عدم تداول الشائعات أو نشر صور ومقاطع تتعلق بمواقع الاعتداءات الغاشمة أو تحركات الجهات الأمنية والعسكرية تعكس إدراكاً لطبيعة الحروب الحديثة التي أصبحت المعلومات فيها جزءاً من منظومة الأمن الوطني، فالتطفل والتصوير لمواقع الأضرار، و»اللقافة» في نشر التفاصيل الميدانية، قد لا تبقى في خانة التصرف الفردي العابر، بل قد تتحول إلى معلومة يستفيد منها من يسعى إلى الإضرار بأمن الدولة أو التأثير في قدرة الجهات المختصة على أداء مهامها. من هنا، يقع على كل مواطن ومقيم، في هذه المرحلة بالذات، دور أساسي وجوهري، باعتبارنا جميعاً شركاء في منظومة الأمن. فالمواطنة المسؤولة والوفاء الحقيقي لهذا الوطن، يفرضان الامتناع الحازم عن تداول المعلومات الحساسة، والاعتماد على المصادر الرسمية، وعدم إعادة نشر الرسائل المجهولة أو التسجيلات التي تحمل عناوين مثيرة دون التأكد من صحتها، لأن سرعة الانتشار في وسائل التواصل الاجتماعي قد تجعل تصحيح المعلومة الخاطئة أكثر صعوبة من منع انتشارها.

ولا شك أن حرية التعبير والتواصل لا تعني الإضرار بالمصلحة العامة أو تجاوز الحدود التي يفرضها القانون وتستلزمها حماية الأمن والسلامة العامة. كما أن المجتمعات الواعية لا تنظر إلى إجراءات ضبط المعلومات أثناء الأزمات باعتبارها تضييقاً، وإنما باعتبارها ممارسة ضرورية لحماية الأمن العام ومنع الفوضى المعلوماتية التي أصبحت إحدى أدوات الصراعات الحديثة.

Ad

إن تماسك المجتمع يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية، والمحافظة على هذا التماسك تتطلب من كل فرد أن يدرك أن الهاتف المحمول قد يكون أداة بناء للوعي، وقد يكون أداة لنشر الفوضى إذا استخدم دون مسؤولية. 

وفي المقابل، تضطلع الدولة بدورها في إدارة المشهد المعلوماتي من خلال توفير المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، وتعزيز التواصل مع المجتمع، بما يحد من الفراغ الذي تستغله الشائعات، إلى جانب تطبيق القوانين والأنظمة المنظمة للنشر الإلكتروني واستخدام وسائل الاتصال، بما يحقق التوازن بين متطلبات الأمن الوطني وضمان الحقوق والحريات في إطار القانون.

خلاصة القول:

إن حماية الكويت في زمن الأزمات تقوم على تكامل أدوار الدولة والمجتمع، فالمؤسسات المختصة تضطلع بواجبها في حماية الأمن وتوفير المعلومات الموثوقة وتطبيق القانون، فيما يمثل وعي المواطنين والتزامهم المسؤول أساساً في تعزيز الاستقرار. فالمجتمع الواعي والمتماسك يبقى خط الدفاع الأول في مواجهة كل محاولات العبث بأمن الوطن واستقراره.

* كاتب ومستشار قانوني