في عام 2022م، كانت زيارتي إلى مركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي في دولة الكويت تجربة مختلفة عن الزيارات الثقافية المعتادة؛ فقد وجدت نفسي أمام صرح لا يكتفي بعرض المعرفة، بل يحولها إلى رحلة نابضة بالحياة. فمنذ اللحظة الأولى لدخول المركز، يدرك الزائر أنه لا يقف أمام متحف تقليدي، بل أمام مساحة حضارية تتلاقى فيها أسرار الكون، ومنجزات الإنسان، وروائع الفنون، في تجربة تخاطب العقل والخيال معاً.

يُعد مركز الشيخ عبدالله السالم الثقافي أحد أكبر مناطق العرض المتحفي في الوطن العربي، ومن أبرز الصروح الثقافية الحديثة عالمياً، إذ يجسّد رؤية كويتية تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من المعرفة، وأن الثقافة والعلم يمثّلان ركيزة أساسية في تقدّم المجتمعات وازدهارها.ما يميز المركز أنه تجاوز المفهوم التقليدي للمتحف؛ فلم يعد مكاناً لعرض المقتنيات فقط، بل أصبح فضاءً تفاعلياً يجعل الزائر شريكاً في اكتشاف المعلومة، فبين قاعاته ومعارضه ينتقل الزائر في رحلة معرفية تبدأ من التاريخ الطبيعي والفضاء، مروراً بالعلوم والتكنولوجيا وجسم الإنسان، وصولاً إلى الفنون والجوانب الإبداعية التي تعكس ثراء التجربة الإنسانية. ويضم المركز مجموعة متنوعة من المتاحف والمعارض المتخصصة، إضافة إلى القبّة السماوية، والمسارح، والمرافق التعليمية، والمساحات المخصصة للفعاليات الثقافية.وقد أسهم توظيف التقنيات الحديثة، والعروض التفاعلية، والوسائط الرقمية، في تقديم المعرفة بأسلوب مبتكر يجعل التعلم أكثر متعة، ويقرّب العلوم من مختلف الفئات العمرية. وخلال زيارتي للمركز، كان اللافت ذلك التناغم بين جمال التصميم وعمق المحتوى؛ فكل زاوية تحمل فكرة، وكل معرض يفتح نافذة جديدة على عالم من الاكتشاف، والأجمل أن المركز لا يتوقف عند حدود العرض، بل يقدّم برامج تعليمية وورشاً علمية وفعاليات مجتمعية تسهم في تعزيز الفضول، وتنمية التفكير، وتشجيع الأجيال الجديدة على البحث والتجربة.

وبعد مرور سنوات على زيارتي الأولى، يواصل المركز تطوره وتحديث برامجه، مؤكداً أن المؤسسات الثقافية الناجحة لا تكتفي بالإنجاز، بل تبقى في حالة تجدد دائم لمواكبة التحولات العالمية في مجالات المعرفة والتعليم.

Ad

لقد قدّمت الكويت من خلال المركز نموذجاً ملهماً للاستثمار في الثقافة، ورسالة واضحة بأن المعرفة ليست ترفاً، بل أساس لصناعة المستقبل، وسيظل هذا الصرح شاهداً على أن الحضارات لا تُبنى بالمباني وحدها، بل بما تصنعه من وعي، وما تزرعه من فضول، وما تمنحه للأجيال من أدوات تمكّنها من فهم العالم وصناعة الغد.

كما أن المركز يمثّل مساحة تجمع الأسرة والمجتمع، ويمنح الأطفال والشباب فرصة للتعلم بأسلوب ممتع، بعيداً عن الطرق التقليدية، وهذه القيمة هي ما يجعل أثره يتجاوز حدود المكان، ليصبح تجربة ثقافية مستمرة تترك بصمتها في الذاكرة.

ومن هنا تتجلى أهمية هذا الصرح الذي لا يقدّم الثقافة بوصفها ماضياً محفوظاً، بل باعتبارها طاقة حية تصنع الحاضر وتستشرف المستقبل، فالمركز يقدم نموذجاً متقدماً لكيفية تحويل المعرفة إلى تجربة إنسانية مؤثرة، ويؤكد أن المتاحف الحديثة أصبحت منصات للحوار والإبداع وبناء الوعي لدى مختلف المجتمعات، وهو ما يعزز مكانة الكويت الثقافية ويرسخ حضورها الحضاري عالمياً.

* كاتب سعودي