كان الاتصال بعد التاسعة مساءً يُعدّ - حتى وقت قريب - قلة احترام لخصوصية المساءات، أو كما كنّا نصفها ببساطة: «قلّة ذوق».
أما اليوم، فقد أصبح الصمت بعد التاسعة هو ما يثير القلق، وأصبحت الرسائل المتأخرة، أو تلك التي تصل مع أول خيط للفجر، طقساً يومياً للاطمئنان على مَن نحب.
تغيّرت تفاصيل حياتنا كما تغيرت مفرداتنا، حتى بات السؤال الأول في بداية كل يوم «هل أنتم بخير؟» يرحل الليل أسرع من النهارات في مدننا المتوزعة بين أحزمة الفقر والبؤس والدمار، أو تلك المهددة بالحرب، أو المغطاة بسحابة ثقيلة من القلق.
يطلع النهار بضوء يكسر عتمة ليلة كاملة من التوجس، سواء بفعل ما يدور حولك، أو بفعل تتابُع القصف هنا وهناك، حتى بدا وكأنه توزّع على بلداتنا وأحيائنا، حتى وصل إلى كل بيت... تسألك صديقتك: «ما الذي أيقظك في هذه الساعة»؟ فتجيبينها بما يشبه اعترافا جماعيا: «وهل عاد هناك نوم عميق؟».
فعندما توزّع الوجع على بقاع الأرض الشاسعة، وبقيت غزة وجنوب لبنان يئنان حتى بعدما قيل إن الهدنة قد بدأت، جاء صوت ذاك الغزي القابع في خيمته ليختصر المشهد كله «أي هدنة هذه؟ وعن ماذا تتحدثون؟ لا تصدقونهم». من أين تبدأ مراسلاتك اليومية؟ وكيف؟ بالسؤال ذاته «كونوا بخير.. سمعنا أخبار آخر الليل وأول النهار عندكم». وربما تتبعها بالقول: «عندنا وعندكم خير»!
في شيء من سخرية الواقع المؤلم. وكأن هذه العبارة البسيطة أصبحت صلاة يومية نتبادلها جميعا. ولعل بعضنا تعلّم، عبر سنوات طويلة من الاقتراب من ذلك الكيان، كيف يسرق الضوء من قلب العتمة، وكيف يتمسّك بالحياة كلما اشتد سواد الليل وحاصرته أو حاولت شياطينهم. يطاردك القلق على مَن تُحب، وتعرف أنهم بدورهم قلقون عليك. ولم تعُد التفاصيل مهمة، لأنّ كل شيء يبدو مترابطًا بمشروع أكبر، تلوح ملامحه بين خطاب سياسي، أو خريطة تُرفع أمام العالم، أو تهديد جديد يضاف إلى سجلّ طويل من التهديدات. وكأن الرسالة واحدة: عيشوا في انتظار الكارثة. وربما كان أخطر ما نجحوا في ترسيخه هو أن يصبح القلق رفيقا دائما للإنسان منذ طفولته.
حتى في لغتنا اليومية وفي كثير مما نردده، يتقدّم الخوف، ورغم كل محاولاتهم في توزيع الرعب، ورغم مشاريعهم الواسعة التي يتسرّب بعضها من أدراجهم المغلقة بإحكام، رغم كل ذلك تبقى هناك مساحة صغيرة لا تقاس بالجغرافيا أو موازين القوى في القلب أو الوجدان، أو ربما هي الإيمان المترسخ بالعدالة، خاصة لأصحاب الحق.
ولعل أكثر ما يُربك صناع الرعب أنهم لا يدركون أن الأمل، مثل الخوف، ينتشر أيضًا. قد لا يوقف حربًا، ولا يمنع صاروخًا، لكنه يحفظ في داخلنا ما يريدون انتزاعه منّا: الأمل بأن القادم لن يكون كما يريدون هم أو كما يخططون، وأن التاريخ علّمنا الكثير عن الانتصارات القادمة من تحت الدمار.. ومع كل خيط للفجر، ندرك أن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يحتكر السماء، كما قال زياد الرحباني: «ايه في أمل....».
* يُنشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية