«مَنْ خَشِيَ الذِّئْبَ أَعَدَّ كَلْبَاً»... مَثَل عربي قديم يحثّ على الاستعداد لمواجهة العدو باتخاذ أسباب الحيطة، وعدم ترك الأمور للمصادفات عندما تلوح في الأفق بوادر الخطر.

مثلٌ يحثّ، بكلمات قليلة، مَن يخشى العدوّ على أن يُعدّ له العدّة، ولا يكتفي بالخوف والقلق، بل بالتسلّح بما يدفعه عنه، فالخوف لا يحمي صاحبه، بل التأهب والاستعداد هما الدرع الواقية.

مثلنا «مَنْ خَشِيَ الذِّئْبَ أَعَدَّ كَلْبَاً»، ليس ببعيد عن قول الله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ»، وعن قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا»، فهي قواعد شرعية منطقية وملزمة بوجوب التيقظ والاستعداد للعدو وتوقُّع غدره.

Ad

الرسول، ﷺ، قال وهو على المنبر: «وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ»، ثم قال محذراً: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ»، فصدق رسول الله.

وهناك أمثلة العربية حثّت على الحَذَر، والتحوّط للنوائب قبل وقوعها، فقيل: «قَبْلَ الرِّمَاءِ تُملأُ الكِنَانَةُ»، فقبل أن تبدأ المعركة، تأكد أولاً أن جرابك مليء بالسهام، وقيل أيضاً: «الْحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ»، فالحكيم الحَذِر يَفترض الاحتمال الأسوأ ويستعد له، ولا يُفرّط في حُسْن الظن حتى لا يُؤخذ على غرّة، وقيل: «لَا تَكُنْ رَطْباً فَتُعْصَرَ، وَلَا يَابِساً فَتُكْسَر»، وهي دعوة إلى التوازن، من دون أن يضع الإنسان نفسه في موضع ضَعف يسهُل استغلاله.

فسقوط طليطلة سببه تهاون العرب وركونهم إلى الدّعة، واستبدالهم الحزم العسكري بالدبلوماسية المُهينة وشراء السلام المؤقت بالمال، فكان سقوطها بداية الانهيار الكامل، بعد أن رأى أعداؤهم أن «ذئابهم» قادرة على التهام «شياه» العرب المتفرقة الضعيفة، فالله لم يقُل: «انتظروا حتى يهاجموكم»، بل أمر بإعداد قوة ترهبون بها أعداءكم.

كثير من الشعراء دعوا إلى الحزم ومباغتة الخطر قبل استفحاله، فأحدهم قال:

إِذا كنتَ ذا رأيٍ فكنْ ذا عزيمةٍ

فإِن فسادَ الرأيِ أن تتردّدا

ولا تمهلِ الأعداءَ يوماً بغدوةٍ

وبادِرْهم أن يملكوا مثلهَا غدا

وآخر حثّ على عدم التهاون في حماية النفس:

أَعِدَّ لِلْحَرْبِ مَا تَقْضِي الحُرُوبُ بِهِ 

فَلَيْسَ يَمْنَعُ عَنْكَ الضَّيْمَ تَسْلِيمُ

وَلا يَغُرَّنْكَ مِنْ عَدُوٍّ سَكِينَتُهُ 

فَالنَّارُ كَامِنَةٌ وَالْجَمْرُ مَكْتُومُ

وهذا بيت لشاعر ينبّه فيه إلى أن السلامة تكمن في الحذر، فقال:

وَإِذا الحُروبُ جَرَت عَلَيكَ ذُيولَها 

فَالحَزمُ كُلُّ الحَزمِ أَن لا تَرقُدا

فإذا الحروب امتدت واستطالت وأثقلت كاهلك، فإن الحزم هو ألّا تنام أو تغفل عن خطرها. حفظنا الله من الغفلة والتهاون، وحفظ ديارنا من شرور إيران وعملائها.