لطالما اعتُبرت جامعة هارفارد رمزاً للتميز الأكاديمي، لكنّ المفارقة أن إحدى أكبر القضايا التي شغلتها أخيراً لم تكن مرتبطة بالبحث العلمي أو الذكاء الاصطناعي، بل بسؤال يبدو بسيطاً: هل أصبحت درجة (A) تفقد معناها؟
بعد سنوات من النقاش، كشفت تقارير داخل الجامعة أن أكثر من 60 بالمئة من الدرجات الممنوحة لطلاب البكالوريوس أصبحت من فئة (A)، بعدما كانت تقارب ربع الدرجات فقط قبل نحو عقدين. عندها أدركت الجامعة أن المشكلة لم تعد في أداء الطلاب وحده، بل في قيمة الدرجة نفسها، فإذا أصبح الجميع متميزاً، فمن هو المتميز فعلاً؟
ومن هنا وُلد نظام «20+4»، وهو أحد أكثر القرارات إثارة للجدل في التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة. ابتداءً من تطبيق النظام، لن يستطيع عضو هيئة التدريس منح درجة (A) إلا لما لا يزيد على 20 بالمئة من طلاب المقرر، بالإضافة إلى 4 طلاب إضافيين لإعطاء مرونة في الشُّعب الصغيرة. بمعنى آخر، إذا كان عدد الطلاب مئة، فلن يحصل على (A) سوى 24 طالباً كحد أقصى. أما بقية الطلاب، حتى وإن كانت مستوياتهم مرتفعة، فستُوزع درجاتهم وفق معايير أكثر تمييزاً. الفكرة ليست معاقبة الطلاب، بل إعادة الاعتبار لمعنى الامتياز، حتى يصبح الحصول على (A) دلالة على أداء استثنائي، لا نتيجة اعتيادية.
بطبيعة الحال، لم يمرّ القرار بهدوء، حيث اعترض عدد كبير من الطلاب، معتبرين أن النظام قد يضر بفرصهم في التوظيف أو القبول في الدراسات العليا، خاصة عندما ينافسون خريجي جامعات لا تزال تمنح درجات مرتفعة بسخاء. وفي المقابل، رأى مؤيدو القرار أن استمرار تضخم الدرجات أخطر بكثير، لأنه يفرّغ الشهادة الجامعية من مضمونها، ويجعل أصحاب العمل عاجزين عن التمييز بين الطالب المتميز والطالب الجيد، ويحوّل كشف الدرجات إلى وثيقة لا تعكس الفروق الحقيقية في الأداء الأكاديمي. لذلك اعتبرت «هارفارد» أن إصلاح نظام التقييم أصبح ضرورة للحفاظ على مصداقية المؤسسة وقيمة شهادتها.
وربما تكمن الرسالة الأهم في هذه القصة في أن التميز الأكاديمي لا يُقاس بعدد الحاصلين على الامتياز، بل بقدرة النظام على تمييز الأداء الاستثنائي عن الأداء الجيد، فالجامعات لا تمنح الدرجات لمكافأة الجهد فقط، وإنما لتوثيق مستوى الإنجاز الحقيقي، وإذا أصبحت أعلى درجة متاحة للجميع، فإنها تتوقف عن كونها أعلى درجة.
وما فعلته «هارفارد» ليس مجرد تعديل لسياسة التقييم، بل اعتراف بأن المحافظة على قيمة الامتياز قد تكون أحياناً أصعب من منح الامتياز نفسه. ولعل هذا النقاش يستحق أن يمتد إلى جامعات العالم كافة، لأنّ سمعة أي مؤسسة تعليمية لا تُبنى بعدد الحاصلين على الامتياز، بل بثقة المجتمع بأن الامتياز فيها يعني بالفعل امتيازاً.