هو نموذج اقتصادي واجتماعي يجمع بين اقتصاد السوق الحر ودولة الرفاه الاجتماعي، ويعد من أنجح النماذج التنموية في العالم، لأنه يقوم على مبدأ تحقيق النمو الاقتصادي مع العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية. النرويج تعتمد على اقتصاد رأسمالي تنافسي، لكن الدولة تلعب دوراً قوياً في تنظيم الأسواق، والاستثمار في القطاعات الاستراتيجية، وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، وإدارة الموارد الطبيعية بكفاءة بجانب الإدارة الرشيدة للثروة النفطية، لأن النفط والغاز يعد مصدراً رئيسياً للدخل، لكن النرويج تجنبت الاعتماد الكامل على النفط في تمويل الإنفاق الحكومي، واستثمرت الفوائض المالية للأجيال القادمة، وحدّت من التضخم وتقلبات الاقتصاد.
اليوم تمتلك النرويج أكبر صندوق سيادي في العالم، حيث تُستثمر عائداته في آلاف الشركات حول العالم لضمان استدامة الثروة، وتقوم الدولة بتوفير تعليم مجاني، ودعم للأسر والأطفال، ورعاية صحية شاملة، وتأمين ضد البطالة، ومعاشات تقاعدية قوية، لكن في المقابل تفرض النرويج ضرائب مرتفعة نسبياً (تتعدى 38%)، في مقابل حصول المواطنين على خدمات عامة عالية الجودة، مما يعزز الثقة بين المجتمع والدولة.
وفي الحوكمة والشفافية، تعتمد نموذج مكافحة الفساد، واستقلال القضاء، وشفافية الإنفاق العام، وكفاءة المؤسسات الحكومية، كما استثمرت النرويج في رأس المال البشري من خلال التركيز على التعليم، والبحث العلمي، والابتكار، والتدريب المهني، وتطوير المهارات المستقبلية. وكذلك حققت الاستدامة عن طريق توازن السياسات بين النمو الاقتصادي، وحماية البيئة، والتحول نحو الطاقة النظيفة، والاستثمار في الاقتصاد الأخضر.
ويرجع سبب نجاح النموذج النرويجي إلى مجموعة من العوامل، ترتبط بمؤسسات حكومية قوية، وإدارة رشيدة للموارد الطبيعية، ووجود استقرار سياسي وثقة مرتفعة بين المواطنين والحكومة، وتخطيط طويل الأجل، وتنويع الاستثمارات المالية عالمياً. من أهم الدروس المستفادة من التجربة النرويجية: 1- إدارة الموارد الطبيعية بمنظور طويل الأجل. 2- إنشاء صناديق سيادية لحماية حقوق الأجيال القادمة. 3- الاستثمار في الإنسان قبل الاستثمار في البنية التحتية. 4- تعزيز الحوكمة والشفافية. 5- تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على مورد واحد. 6- ربط السياسات الاقتصادية بالأهداف الاجتماعية والتنموية.
إن النموذج النرويجي أصبح مرجعاً عالمياً في الإدارة الاقتصادية الرشيدة، وليس مجرد نموذج لإدارة النفط، بل نموذج لبناء اقتصاد مستدام قادر على تحقيق التنمية والرفاه للأجيال الحالية والمستقبلية، وبإمكاننا أن نستخلص دروساً عملية من النموذج النرويجي تناسب اقتصادات الدول العربية والخليجية.