كنت أظن في بداية الحرب على إيران أن أميركا قد أرسلت أسطولاً حربياً واحداً من أساطيلها، خوفاً على بقية الأساطيل من الانتقام الإيراني الثائر لشرفه وقياداته.

لكنها جاءت بحشدٍ لا يحتاج إلى مَن يدلّه على عنوان خصمه، فتمركزت في بحر العرب وخليج عُمان والبحر الأحمر والمياه المتصلة بمضيق هرمز حاملتا الطائرات النوويتان USS Abraham Lincoln وUSS Gerald R Ford، وعلى متنيهما جناحان جويان يضمان عشرات المقاتلات وطائرات الإنذار المبكر والحرب الإلكترونية والمروحيات. ثم لحقت بهما لاحقاً حاملة ثالثة هي USS George H.W. Bush، لتصبح هذه أول مرة منذ عام 2003 تجتمع فيها 3 حاملات طائرات أميركية في الشرق الأوسط دفعة واحدة.

وأحاطت بهذه الحاملات مدمرات صاروخية عديدة من فئة Arleigh Burke، وسفن دعم وإمداد، ومجموعات هجوم برمائي من بينها USS Tripoli، التي تقود مجموعة تضم 31st Marine Expeditionary Unit، ونحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية.

Ad

وانضمت إلى هذا الحشد سفن قتالية ساحلية وكاسحات ألغام، وقوة من الغواصات الهجومية التي لا تعلن البحرية الأميركية عادةً عددها ولا مواقعها الدقيقة. تحدثت تحليلات صحافية عن أن نحو 41 بالمئة من مجمل السفن الأميركية المنتشرة حول العالم كانت مركّزة في هذه المنطقة وحدها. وهكذا انتشرت أمام السواحل الإيرانية قواعد جوية عائمة، ومدمرات محملة بصواريخ Tomahawk، وسفن هجوم وإنزال، وآلاف البحارة والجنود، قوة ظاهرة على سطح البحر، وأخرى خفية تحته، حتى بدا المشهد كأن أميركا لم تكتفِ بتحديد إيران هدفًا، بل نقلت إلى أبوابها قطعةً كاملة من ترسانتها البحرية.

والمدهش في الموضوع أن القوة البحرية الأميركية لم تكن بعيدة عن سواحل إيران، ولا مختبئة في آخر المحيط، بل تحركت مدمراتها الصاروخية داخل الخليج وعند مضيق هرمز، بمحاذاة السواحل الإيرانية وتحت أنظار رادارات الحرس الثوري! 

أنا لست محللاً سياسياً، ولا خبيراً استراتيجياً، ولا مستشاراً عسكرياً، ولهذا سأطرح سؤالي البسيط بكل أريحية: لماذا نرى الصواريخ الإيرانية تسقط على دول الخليج، ولم نسمع بأي صاروخ استطاع أن يخرق الوحش البحري الضخم الذي يرقد قرب شواطئ إيران بكل أمان؟!

يبدو أن إيران تريد أن تحارب أميركا بالطريقة الآمنة: تهاجمها في التصريحات، وتنتقم منها في أراضي الآخرين.. لم تأتِ أميركا بكل هذه الأساطيل إلّا وهي متأكدة أن إيران لن تجرؤ على خدش أساطيلها.. إيران تهدد الأسطول الأميركي، ثم تقصف الميناء المجاور! ترسم حاملة الطائرات في الملصقات وتحرقها على الورق، ثم تترك الحاملة الحقيقية بسلام!

إن هذا المشهد يفسّر لي أحد أمرين، إمّا أن أغلب فصائل الحرس الثوري مخترقة، وتأخذ أوامرها من الخارج لتوريط الخليج وإدخاله في الحرب، وهذا بالضبط ما فعلته إسرائيل، التي تعمّدت أن تغتال جميع قيادات الصف الأول المؤهلين للتفاوض، والذين كانوا يملكون شيئاً من الدبلوماسية، وتركتنا نواجه مصيرنا مع مجموعة من الرعاع المسلحين الذين لا يُؤمَن جانبهم ولا صديق لهم.. وإما أن إيران قد ابتكرت نظرية جديدة في «الحقد» سمّتها: عليَّ وعلى جيراني!