يشهد الين الياباني واحدة من أصعب مراحله منذ عقود، بعدما تراجع إلى أدنى مستوياته أمام الدولار الأميركي منذ أكثر من أربعين عاماً، ليتداول قرب 161.7 يناً للدولار. هذا التراجع لم يعد مجرد حركة طبيعية في سوق العملات، بل تحول إلى تحدٍ اقتصادي يفرض نفسه على صناع القرار في طوكيو، وسط تزايد المخاوف من تداعياته على التضخم والنمو والاستقرار المالي.

ويكمن السبب الرئيسي وراء هذا الضعف في اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة في اليابان ونظيراتها في الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن بنك اليابان أنهى حقبة طويلة من أسعار الفائدة السلبية، ورفع سعر الفائدة الأساسي إلى 1%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1990، فإن العائد على الأصول اليابانية لا يزال متواضعاً مقارنة بالعوائد المتاحة في الأسواق العالمية، ولا سيما في الولايات المتحدة.

هذا الفارق في العوائد أعاد إحياء استراتيجية (Carry Trade)، التي تقوم على اقتراض الأموال بالين منخفض التكلفة واستثمارها في أصول تحقق عوائد أعلى في الخارج.

Ad

ومع اتساع هذه العمليات، تتدفق رؤوس الأموال إلى الأسواق الأجنبية، بينما يتراجع الطلب على الين، فيدخل الاقتصاد الياباني في حلقة تضغط على العملة وتزيد من صعوبة استعادة استقرارها.

ولا تبدو هذه الضغوط مرشحة للانحسار قريباً؛ فبينما يُتوقع أن يواصل بنك د اليابان تشديد سياسته النقدية بصورة تدريجية، تشير التوقعات إلى استمرار الاحتياطي الفدرالي الأميركي في تبني سياسة نقدية مقيدة نسبياً، وهو ما يعني بقاء فجوة أسعار الفائدة واسعة، واستمرار جاذبية الدولار والأصول المقومة به للمستثمرين العالميين.

وتنعكس تداعيات ضعف الين بصورة مباشرة على الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بشكل كبير على الواردات، وخاصة واردات الطاقة. 

فاليابان، باعتبارها رابع أكبر اقتصاد في العالم، تستورد معظم احتياجاتها النفطية من منطقة الشرق الأوسط، ومع تسعير النفط بالدولار، تصبح فاتورة الاستيراد أكثر تكلفة كلما ارتفع الدولار أو تراجع الين، وهو ما يغذي الضغوط التضخمية ويؤثر في تكلفة الإنتاج وأسعار السلع والخدمات.

ولا تقف آثار ذلك عند الشركات، بل تمتد إلى المستهلك الياباني، الذي يواجه ارتفاعاً متواصلاً في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية والطاقة، الأمر الذي يضغط على القوة الشرائية للأسر ويرفع تكاليف المعيشة، في وقت لا تزال فيه وتيرة نمو الأجور أقل من المطلوب لتعويض هذه الزيادات.

في المقابل، لا يخلو ضعف العملة من بعض المكاسب. فالين المنخفض يمنح الشركات اليابانية المصدرة ميزة تنافسية في الأسواق العالمية، إذ تصبح منتجاتها أقل تكلفة للمشترين في الخارج، كما يعزز أرباح الشركات عند تحويل إيراداتها الأجنبية إلى الين. 

كذلك استفادت اليابان من انتعاش قطاع السياحة، حيث أدى انخفاض قيمة العملة إلى زيادة أعداد الزوار الأجانب وارتفاع إنفاقهم على التسوق والخدمات والضيافة، مما وفر دعماً مهماً للاقتصاد المحلي.

وفي محاولة للحد من التراجع الحاد للعملة، لجأت الحكومة اليابانية إلى التدخل في سوق الصرف الأجنبي عبر بيع الدولار وشراء الين مستخدمة احتياطياتها الضخمة من العملات الأجنبية. وتشير البيانات الرسمية إلى أن السلطات أنفقت نحو 11.7 تريليون ين خلال الفترة بين أواخر أبريل ومايو في مسعى لتهدئة تقلبات السوق واستعادة قدر من الاستقرار.

وفي الوقت نفسه، بدأت سوق السندات اليابانية تعكس تنامي المخاوف من التضخم. فقد ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 40 عاماً إلى 3.779%، بينما بلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً 3.914%، في مؤشر على أن المستثمرين يتوقعون استمرار الضغوط التضخمية واحتمال مواصلة تشديد السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.

ويبقى السؤال الأهم: هل يكفي رفع أسعار الفائدة والتدخل في سوق الصرف لدعم الين؟

الواقع أن استقرار العملة لا يتحقق عبر التدخلات قصيرة الأجل فحسب، بل يحتاج إلى استراتيجية اقتصادية متكاملة تعزز الإنتاجية، وترفع معدلات النمو، وتحافظ على الانضباط المالي، مع احترام استقلالية بنك اليابان في إدارة السياسة النقدية. فالثقة في السياسات الاقتصادية هي العامل الأكثر تأثيراً في أسواق العملات على المدى الطويل.

ورغم أن ضعف الين يمنح الصادرات والسياحة دفعة قوية، فإنه في المقابل يرفع تكلفة الواردات ويزيد الضغوط المعيشية على المواطنين. ومن هنا، يجد صناع القرار في اليابان أنفسهم أمام معادلة دقيقة تتطلب تحقيق توازن بين دعم النمو الاقتصادي واحتواء التضخم، وهو توازن سيحدد إلى حد كبير مستقبل الاقتصاد الياباني  خلال السنوات المقبلة.