مات الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني صباح الأحد الماضي، وأعلنت قطر الحداد أربعة أيام، وكتبت الصحف عن الغاز والوساطة وكأس العالم، أما أنا، وقد أمضيت سنوات أشتغل في جودة التعليم، فلم يحضرني من ذلك شيء. حضرني تاريخ واحد: 1995.
في تلك السنة تولى الشيخ حمد الحكم، وفي السنة نفسها، لا بعدها بعشر سنوات ولا بعد أن امتلأت الخزائن، أسس بمرسوم أميري مؤسسة قطر.
توقفت عند التوقيت.
فالجودة لا تقاس بالخطب، ولا بالنماذج التي نملؤها آخر العام ثم نضعها في ملف أنيق. السؤال أبسط: أين وضعت التعليم في سلّم أولوياتك، وكم أنت مستعد أن تدفع؟
الشيخ حمد أجاب مبكراً.
حين افتتحت المدينة التعليمية في أكتوبر 2003، لم تبنِ قطر جامعة جديدة وتمنحها اسماً كبيراً. بل فعلت ما هو أصعب. استقدمت الجامعة نفسها. جورجتاون وكارنيغي ميلون ونورث وسترن وكلية طب وايل كورنيل، بمعاييرها وشهاداتها. الطالب هناك لا يأخذ نسخة محلية مخففة.
وهذه هي الجودة في أصلها: أن ترفض إقناع نفسك بأن المعيار المحلي يكفي لأنه مريح.
ثم جاء المال، لأن التعليم لا يُبنى بالنوايا. التزمت الدولة بتخصيص 2.8 في المئة من إيراداتها الحكومية للبحث العلمي، وأنشئ الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي سنة 2006، وواحة العلوم والتكنولوجيا سنة 2009، ثم جامعة حمد بن خليفة سنة 2010.
وحتى المدرسة الحكومية دخلت التجربة. وأطلق مشروع «تعليم لمرحلة جديدة» ونقل المدارس إلى نموذج المدارس المستقلة: استقلال في الإدارة، مقابل معايير ومحاسبة على النتائج. لم تنجح كل التفاصيل. أخطأوا وعدّلوا. لكنهم دخلوا الفصل.
ثم خرج المشروع من حدود قطر. من الدوحة انطلقت قمة «وايز» سنة 2009، ومؤسسة «التعليم فوق الجميع» بقيادة الشيخة موزة، التي أسهمت في إلحاق أكثر من أربعة عشر مليون طفل خارج المدرسة بالتعليم، في عشرات الدول. دولة عدد مواطنيها أقل من ثلث مليون. اقرأ الرقم مرة ثانية.
واقرأ هذا السجل من موقع مَن يعرف الطريق، لا من موقع المتفرج عليه. فالكويت هي التي علمت هذا الخليج. من المباركية سنة 1911، إلى البعثة التعليمية الكويتية التي حطت في الشارقة سنة 1953 لتفتح أول المدارس النظامية في إمارات الساحل، إلى جامعة الكويت سنة 1966. نحن لسنا بلداً يبحث عن بداية. البداية كانت هنا. لدينا الجامعة والهيئة، ولدينا الأستاذ والطالب. ولدينا المال، ولدينا تاريخ تعليمي سبق كثيراً ممن حولنا. لكن ينقصنا ما نقوله في الجمعية الكويتية لجودة التعليم منذ سنوات: أن الجودة ليست ملفاً إدارياً، ولا مؤتمراً ينتهي بصورة جماعية.
الجودة قرار.
والقرارات الكبيرة تؤخذ في السنة الأولى، لا حين يفرغ المسؤول من كل شيء آخر.
رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. ترك خلفه بلداً، وترك خلفه فكرة ما زالت تعمل.
أما نحن، فأولى الناس بأن نتذكرها، لأننا، في يوم من الأيام، كنا أول مَن قالها.
* أستاذ جامعي - أمين سر الجمعية الكويتية لجودة التعليم