من المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قانون الشركات استقلال الشخصية الاعتبارية للشركة عن شخصية الشركاء أو المساهمين فيها، إذ تكتسب الشركة بمجرد تأسيسها شخصية قانونية مستقلة وذمة مالية منفصلة عن ذمم الشركاء، بما يترتب على ذلك عدم مسؤولية الشركاء - كأصل عام - عن ديون الشركة إلا في حدود مساهمتهم في رأس المال.
ويعد الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للشركة ضرورة اقتصادية وتشريعية لتشجيع الاستثمار وتحقيق الاستقرار في المعاملات التجارية، إلا أنه في بعض الحالات قد يتم استغلال هذه القاعدة واستخدامها للتحايل على القانون أو الإضرار بالغير أو التهرب من الوفاء بالالتزامات، ولترسيخ العدالة وحماية الائتمان التجاري يبقى احترام الشخصية الاعتبارية للشركة هو الأصل، ويكون اختراقها هو الاستثناء الذي لا يلجأ إليه إلا عند ثبوت إساءة استعمالها أو اتخاذها ستارا لتحقيق أغراض غير مشروعة.
فإن أحكام قانون الشركات والمبادئ العامة في القانون تتيح للقضاء النفاذ إلى حقيقة العلاقة القانونية وعدم الوقوف عند الشكل الظاهري للشركة متى ثبت إساءة استعمال الشخصية الاعتبارية، وأهم مظاهر إساءة استعمال الشخصية الاعتبارية تبرز في الشركات ذات المسؤولية المحدودة وشركات الشخص الواحد، نظراً لأن مسؤولية الشريك فيها تقتصر على مقدار حصته في رأس المال.
ومن أكثر صور ذلك شيوعاً خلط أموال الشركة بالأموال الشخصية للشريك أو استخدام الشركة كواجهة لإخفاء نشاط شخصي أو استنزاف أصول الشركة أو تهريبها بقصد الإضرار بالدائنين، ومنها أيضاً تأسيس شركات متعاقبة للهروب من الالتزامات السابقة، ويصبح في مثل هذه الحالات مطالبة الشريك أو المدير شخصياً بالالتزامات الناشئة عن نشاط الشركة مشروعاً متى ثبت سوء النية أو الغش أو الانحراف باستعمال الشخصية الاعتبارية.
وقد استقرت محكمة التمييز على أن استقلال الشخصية الاعتبارية للشركة لا يحول دون مساءلة الشركاء أو المديرين متى ما ثبت إساءة استعمال هذا الكيان القانوني، كما استقرت الأحكام على أن الشخصية الاعتبارية لا يجوز التمسك بها إذا ثبت أنها استخدمت للتحايل على القانون أو الإضرار بحقوق الغير.
وتعد حالات الشريك الصوري من أكثر الصور التي تعبر عن إساءة استعمال الشخصية الاعتبارية للشركة للتحايل على القانون، ويقصد بالشريك الصوري الشخص الذي يدرج اسمه في عقد تأسيس الشركة دون أن يكون شريكاً حقيقياً، بينما الذي يمتلك حصته شخصاً آخر مستتر يمتلك الشركة ويديرها ويمولها ويستأثر بعوائدها.
وهنا يمكن للمحكمة أن تتدخل لإهدار المظاهر الشكلية متى ثبت أن الشركة استخدمت للتحايل على القانون أو لإخفاء المركز القانوني الحقيقي للأطراف، وتثير مسألة الشريك المستتر أو الشريك الوهمي إشكاليات قانونية بالغة الأهمية، لاسيما في البيانات التجارية التي قد يلجأ فيها بعض الأشخاص إلى استخدام أسماء الغير لإخفاء المالك الحقيقي للمشروع أو للتحايل على القيود القانونية المنظمة لممارسة بعض الأنشطة.
وقد استقر قضاء محكمة التمييز على أن العبرة في تحديد حقيقة العلاقة بين الأطراف ليست بالأوصاف أو المسميات التي يطلقها المتعاقدون على تصرفاتهم، وإنما بحقيقة الواقع ومقاصد الأطراف والظروف المحيطة بالتعامل، ومن ثم فإن لمحكمة الموضوع سلطة واسعة في استخلاص ما إذا كان أحد الشركاء فيها شريكاً حقيقياً أو مجرد شريك صوري.
وعند بطلان عقد الشركة تعتبر شركة واقع مارست نشاطها فعلياً رغم تخلف بعض الأركان والشروط الشكلية اللازمة لتأسيسها، وتترتب آثار قانونية بين الشركاء أو في مواجهة الغير، وذلك حماية لاستقرار المعاملات وحسن النية.
* محامٍ