أعلم أن قول أي كلام غير شعبوي أو عاطفي في ظل تواصل الاعتداءات الإيرانية الآثمة وغير المبررة على الكويت وبقية دول مجلس التعاون الخليجي هو أمر غير مرغوب لدى شرائح متعددة، إلا أن الواقع السياسي والجغرافي يفرض النظر إلى المصلحة أكثر من العاطفة.

إن أهم مصلحة لدول الخليج العربية في المدى القصير على الأقل أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها كما كانت قبل اندلاع الحرب الأميركية - الصهيونية على إيران في نهاية فبراير الماضي، والمقصود هنا أن تتوقف الاعتداءات الإيرانية المتواصلة على المرافق المدنية والعسكرية في دول مجلس التعاون نهائياً، وأن تعود حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز لطبيعتها دون قيود أو رسوم.

وهذه المطالب الوقتية السريعة تحتاج إلى توافق وتحرك من منظومة مجلس التعاون الخليحي في اتجاه القوى الإقليمية التي تمتلك مفاتيح الوساطة الدبلوماسية، مثل باكستان وتركيا ومصر، فضلاً عن القوى الدولية التي تمتلك أدوات ضغط على إيران، ولديها علاقات جيدة مع دول مجلس التعاون الخليجي، مثل الصين وروسيا، وما يمكن الاتفاق عليه في نطاق المدى القصير يمكن أن يكون أساساً لاتفاقات على نطاق أشمل على المديين المتوسط والطويل، بما يصب في مصلحة استقرار الإقليم.

Ad

لقد فشل الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحليفه رئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو في تحقيق أي من أهداف الحرب التي أشعلاها في إقليمنا الخليجي، فلا تم تدمير «النووي الإيراني»، ولا دمرت منظومة الصواريخ البالستية، ولا بالطبع سقط نظام الحكم في إيران، بل دخلنا في مرحلة اعتداءات إيرانية على منشآتنا الحيوية، وتأثرت مصالحنا التجارية والاقتصادية مع إغلاق المضيق، حتى باتت العودة إلى أوضاع ما قبل الحرب مطلباً بحد ذاته.

إن فكرة تغيير نظام الحكم في إيران لم تعد مطروحة حتى في تصريحات ترامب اليومية، وهي بالأصل غير متاحة لا عسكرياً عبر عمليات الحرب الجوية، ولا اقتصادياً مع منظومة مصممة على العقوبات، وبالأصل تغيير نظام الحكم ليس مسألة مأمونة المخاطر إذا لم يكن نابعاً من حركة شعبية صادقة وواعية هدفها تحسين واقع إيران السياسي والاقتصادي وتنمية علاقاتها مع محيطها الخليجي.

ولعل ما يسجل في مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي منذ بداية الحرب إلى اليوم أنها رغم ما تعرضت له من اعتداءات وأضرار في المصالح السياسية والاقتصادية والتهديدات الأمنية، لكنها لم تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، لأن السياسة والدبلوماسية تقتضي العمل وفق الواقعية وليس العاطفة أو المنطلقات الشعبوية، وهو ما يفترض أن يكون أساساً لأي تحرُّك مستقبلي يصب في مصلحة الإقليم وسلامته وأمنه واستدامة ثرواته.

في الحديث عن إيران يمكن قول الكثير من الكلام الشعبوي والعاطفي، وبناء المواقف التي لا يترتب عليها لا أثر ولا قيمة، ولكن تظل المصلحة السياسية والاقتصادية وكيفية بناء التوازنات هي أساس التعامل بين الدول، وهذا ما يجب أن نجبر إيران على قبوله.