وكما درجت عليه العادة، فما إن أقرّ مجلس الوزراء مشروع مرسوم بقانون باعتماد الحساب الختامي، حتى آن لمقاربتنا السنوية أن تتجدد، فنضع موازنة العام بإزاء ما انتهى إليه الختامي، ونستنطق ما بين التقدير والتحقق من فوارق، علّنا نقف على ما يبعث على قراءة إيجابية، أو يكشف عن انحراف محمود في مسار إعادة تشكيل النموذج الاقتصادي. غير أنّا، مع الأسف، لا نملك في الختام إلّا أن نعتذر، أصالة عن أنفسنا ونيابة عمّن شاء أن يضم اعتذاره: فلا جديد يُذكر، سوى أنّ القديم ما برح يجدّد حضوره.
فالعجز، كان ولا يزال، هيكلياً أكثر من كونه انحرافاً لحظياً في أسعار النفط، إذ لم تغطّ الإيرادات الإجمالية سوى نحو 70 بالمئة من الإنفاق العام، فيما لم تكفِ الإيرادات النفطية إلّا لتغطية نحو 90 بالمئة من بند الرواتب وما جرى مجراه. وقد استأثر النفط في هذه السنة بنحو 97 بالمئة من الانحراف في جانب الإيرادات، غير أن الحساب الختامي شهد بانضباط تقديرات الموازنة فيما يتصل بالإيرادات غير النفطية، على تواضع حجمها، ومحدودية أثرها في الميزان العام.
أما ارتفاع حصة الإيرادات غير النفطية من إجمالي الإيرادات، فمؤشر صحيح في ظاهره، كثيراً ما يُساء تأويله في سياق الاقتصاد، إذ لا تكون العبرة بارتفاع النسبة في ذاتها، ما لم يكن مبعثها اتساع النشاط الإنتاجي ونمو مساهمة القطاع الخاص، لا مجرد انكماش الإيراد النفطي وانحسار مقامه من الإجمالي.
وإحقاقاً للحق، فإن خفض الإنفاق الفعلي عمّا أُجيز في الموازنة قد امتصّ نحو نصف صدمة تراجع الإيرادات، إذ لو جرى الإنفاق على الوجه المقدّر أصلاً، لقارب العجز في الختامي 8 مليارات دينار. غير أنّ هذا الضبط لم يطُل بنية الإنفاق على نحو متوازن، بل وقع عبئه على الاستثمار بدرجة أكبر من وقوعه على المصروفات الجامدة، فخفّف وطأة العجز الآني وحسب. أما العجز الفعلي، فأوسع من أن تستوعبه تعديلات جزئية في الأدوات المالية، فهو يعادل نحو 43 بالمئة من مجمل الإيرادات، و30 بالمئة من إجمالي الإنفاق، ويبلغ ما يقارب 250 بالمئة من الإيرادات غير النفطية. ثم إن الموازنة، لكونها معدّة على الأساس النقدي، لا تُظهر بالضرورة كامل الصورة المالية، فلا تكشف على نحو وافٍ ما نشأ من التزامات ولم يُسدّد، ولا ما يثقل المستقبل من التزامات تقاعدية، واكتوارية على وجه الخصوص.
فبالقياس إلى ما نرجوه من إصلاح يعيد بناء النموذج الاقتصادي، فإن هذه القراءة أعادت إلينا مشهداً طال تكراره، حتى غدا مألوفاً. وليس رفع الإيرادات غير النفطية، من طريق إعادة هيكلة الدعوم والرسوم، أو ما جرى مجراها، إصلاحاً اقتصادياً في ذاته، فتلك أدوات مالية لا تُمدح لارتفاع حصيلتها، ولا تُذمّ لانخفاضها، وإنما تُوزن بموضعها من الغاية، وبما تُصرف فيه حصيلتها، وبما تُحدثه من أثر في بنية الاقتصاد.
فإن كانت الاستدامة هي الغاية حقاً، فإن طريقها الأوضح يمرّ عبر تنمية ناتج الصادرات غير النفطية، وتوسيع قاعدته، وتهيئة ما يعزّزه من صناعة وابتكار. وهي معادلة تبدو يسيرة في بيانها، ممتنعة في إنجازها، غير أنّ الذي يبعث على الحيرة ليس عسرها، بل طول التأخر في الالتفات إلى بداهتها!
فاللهم أبرم لهذه الأمّة أمراً رشداً.