في صباح اليوم الأول بعد اكتمال دمج شركتين حكوميتين كبيرتين، دخل الموظفون إلى مقارهم تحت اسم واحد، تغيّرت التواقيع الرسمية، وانتقلت الأصول والالتزامات إلى الكيان الجديد، وبدأت المراسلات تحمل شعاراً واحداً.

لكن عند الحاجة إلى اعتماد قرار تشغيلي عاجل، اكتشف أحد المديرين أن كل فريق لا يزال يعمل وفق إجراء مختلف، فريق ينتظر موافقة لجنة لم تعد موجودة، وآخر يستند إلى صلاحيات لم تُحدّث بعد، بعض البيانات بقي في أنظمة منفصلة، والموظفون، رغم جمعهم تحت مظلة واحدة، ما زالوا يتحدثون عن «نحن» و«هم».

هنا يظهر السؤال الحقيقي، هل اندمجت الشركتان فعلاً، أم جرى فقط وضعهما تحت سقف قانوني واحد؟

Ad

أعاد الإعلان عن دمج الشركة الكويتية للصناعات البترولية المتكاملة (كيبك) في شركة البترول الوطنية الكويتية هذا السؤال إلى الواجهة، فالخطوة تأتي ضمن توجه لإعادة هيكلة القطاع النفطي وتحسين التكامل والكفاءة، لكنها تفتح أيضاً نقاشاً أوسع لا يخص القطاع النفطي وحده، ماذا يعني دمج الشركات الحكومية؟ وكيف يمكن معرفة ما إذا كان الدمج قد حقق أهدافه فعلاً؟

القرار ينهي كياناً... لكنه لا يصنع مؤسسة جديدة

يمكن إنجاز الدمج القانوني بقرار واضح يحدد انتقال الأصول والموظفين والحقوق والالتزامات، لكن بناء مؤسسة واحدة يحتاج إلى أكثر من ذلك.

فالدمج الحقيقي يتطلب توحيد طريقة اتخاذ القرار، وتحديد الصلاحيات، وإعادة تصميم الإجراءات، وربط الأنظمة والبيانات، وبناء ثقافة مشتركة، وهذه أمور لا تنتقل تلقائياً بمجرد انتهاء الشخصية القانونية لإحدى الشركتين.

قد يختفي اسم الشركة القديمة من اللوحات والمراسلات، بينما تبقى طريقة عملها، وعلاقاتها الداخلية، ومسارات موافقاتها، وحتى حساسيات موظفيها، قائمة داخل الكيان الجديد.

لذلك، فإن قرار الدمج لا يمثل نهاية المشروع، بل بدايته الأكثر تعقيداً.

الكيان الأكبر ليس بالضرورة الكيان الأسرع

تلجأ الحكومات إلى دمج الشركات لتقليل الازدواجية، وخفض المصروفات، وتوحيد الموارد، وتحسين استخدام الأصول، وتسريع اتخاذ القرار، وهي أهداف منطقية ومهمة، خصوصاً عندما تتقاطع أعمال الشركات أو تتكرر وظائفها،   لكن هذه المنافع ليست نتيجة تلقائية للحجم.فقد يؤدي جمع شركتين كبيرتين إلى خلق هيكل أكثر تعقيداً، وزيادة عدد مستويات الموافقة، وتوسيع المسافة بين الإدارة العليا والعمليات، وقد يتحول توحيد القرار، الذي كان يفترض أن يسرّع العمل، إلى مركزية جديدة تبطئه. 

المعيار إذاً ليس عدد الشركات التي أُلغيت، بل مقدار التعقيد الذي أزيل من العمل اليومي.

لا تنقلوا إجراءات الشركة الأكبر إلى الجميع

من الأخطاء الشائعة في عمليات الدمج افتراض أن إجراءات الشركة الدامجة هي النموذج الذي يجب أن يتبعه الكيان الجديد، فتُعمّم سياساتها وأنظمتها ومساراتها الإدارية، وكأن المطلوب هو توسيع الشركة القديمة لا بناء شركة جديدة.

الدمج يمثّل فرصة لمراجعة طريقة العمل لدى الطرفين

قد تكون لدى الشركة الأصغر إجراءات أكثر مرونة، أو معرفة فنية متخصصة، أو تجربة أفضل في إدارة بعض العمليات، كما قد تكون لدى الشركة الأكبر أنظمة أوسع، لكنها تحمل تعقيدات تراكمت عبر السنوات.

السؤال هنا ليس، أي الشركتين ستفرض إجراءاتها، ولكن، ما هو نموذج التشغيل الأنسب للكيان الجديد؟

شركتان داخل شركة واحدة

أصعب ما في الدمج لا يظهر دائماً في الهيكل التنظيمي، فقد يصبح الموظفون تابعين لشركة واحدة، لكنهم يبقون منقسمين عملياً إلى مجموعتين، موظفو الشركة الدامجة وموظفو الشركة المندمجة.

يظهر ذلك في توزيع المناصب، والترقيات، والوصول إلى المعلومات، وتقييم الخبرات، ومن يملك التأثير في القرارات، وقد يشعر أحد الطرفين بأنه ابتلع الآخر، بينما يشعر الطرف الثاني بأن خبرته السابقة لم تعد مقدّرة.

إذا لم تُعالج هذه المسألة بوضوح، فقد تستمر الشركتان داخل الشركة الواحدة سنوات طويلة، وعندها يتحول الدمج من وسيلة لتقليل الازدواجية إلى مصدر جديد للاحتكاك الداخلي.

بناء الهوية المشتركة لا يتم بالشعارات، بل بعدالة القرارات، ووضوح الأدوار، وإشراك الموظفين في صياغة طريقة العمل الجديدة.

المعرفة التي قد تضيع في الطريق

عند نقل الموظفين، وإلغاء إدارات، وإعادة توزيع المسؤوليات، تظهر مخاطرة أخرى، ضياع المعرفة التي لا توجد في الملفات.

فبعض الموظفين يعرفون تاريخ العلاقة مع مورد رئيسي، أو أسباب اعتماد إجراء معين، أو تفاصيل تشغيل نظام قديم، أو كيفية التعامل مع استثناء فني لا يتكرر كثيراً، هذه المعرفة قد لا تظهر في الوصف الوظيفي، لكنها تكون حاسمة عند وقوع مشكلة.

وإذا غادر أصحابها أو انتقلوا إلى أدوار بعيدة قبل نقلها، فقد يكتشف الكيان الجديد أنه جمع الأصول والأنظمة، لكنه فقد جزءاً من ذاكرته التشغيلية.

لذلك يجب أن تكون إدارة المعرفة جزءاً أساسياً من الدمج، لا نشاطاً جانبياً يأتي بعد إعادة توزيع الوظائف.

الأنظمة لا توحّد العمل وحدها

قد تستخدم الشركتان أنظمة مختلفة للمالية، والمشتريات، والموارد البشرية، والصيانة، وإدارة الأصول، ويبدو اختيار نظام واحد حلاً واضحاً، لكنه قد يخفي المشكلة بدلاً من حلها.

فإذا اختلف تعريف الأصل أو التكلفة أو مؤشرات الأداء بين الشركتين، فإن نقل البيانات إلى منصة واحدة لن يصنع فهماً موحداً لها.

ينبغي أولاً الاتفاق على العمليات، والتعريفات، والصلاحيات، والتقارير التي تحتاجها الإدارة الجديدة، ثم اختيار الأدوات التقنية المناسبة، وإلا فقد ننقل إجراءات قديمة بكل تعقيداتها إلى نظام أحدث، ونطلق على ذلك تحولاً رقمياً.

كيف نقيس نجاح الدمج؟

من الطبيعي أن يُقاس الدمج بما يحققه من وفورات مالية، لكن الوفر وحده لا يكفي.

يجب أن يظهر النجاح أيضاً في سرعة اتخاذ القرار، وتقليص مدة المشتريات والعقود، وانخفاض ازدواجية الأنظمة والوظائف، وتحسن استخدام الأصول، وارتفاع جودة التشغيل والسلامة، والاحتفاظ بالكفاءات، ووضوح المسؤولية.

ومن المهم وضع مؤشرات محددة قبل الدمج، ثم متابعة تحققها بعده، فمن دون خط أساس واضح، قد يصبح من الصعب التمييز بين المنافع التي نتجت عن الدمج وتلك التي كانت ستتحقق على أي حال.

الدمج وسيلة وليس إنجازاً نهائياً

قد يكون دمج الشركات الحكومية خطوة ضرورية، خصوصاً عندما تتكرر الأدوار وتتداخل الاختصاصات، لكن نجاحه لا يتحقق بإلغاء الكيانات وحده.

النجاح يبدأ عندما تصبح القرارات أوضح، والإجراءات أبسط، والأنظمة مترابطة، والمعرفة محفوظة، والموظفون جزءاً من مؤسسة جديدة لا امتداداً لطرف قديم.

أما إذا بقيت طرق العمل كما كانت، فقد نحصل على شركة أكبر، لكن ليس بالضرورة على شركة أفضل.

لذلك، فإن السؤال الأهم بعد أي عملية دمج ليس، كم شركة بقيت؟

ولكن السؤال الأخطر هو، هل أصبح الكيان الجديد يعمل بصورة أفضل من مجموع الشركات التي سبقته؟

* الشريك المدير

«دوتسلينك للاستشارات»