الحملة التي أطلقتها بلدية الكويت، فيما يُعرف بإزالة التعديات على أملاك الدولة، والتي تركزت على السكن الخاص، لا سيما تلك المتعلقة بالزراعة أو مظلات المنازل والدواوين الخارجية، وتمّت تغطيتها إعلامياً، خصوصاً من تلفزيون الكويت بفتح 9 شاشات بثّ مباشر، وكأنها تغطية لإطلاق مكوك فضائي كويتي، هي حملة تبيّن محدودية قدرات الإدارة العامة في تطبيق القانون، وعدم تنظيم أولويات التعامل مع المخالفات الفعلية على أملاك الدولة.
فمعظم الناس يستغلون الارتدادات مقابل المنازل ليس لعمل تجاري على أملاك الدولة، إنّما بغرض الزراعة التجميلية وتركيب المظلات لتخفيف درجة الحرارة الملتهبة، أو كدواوين خارجية مقامة على جانب لا يمثّل مشكلة لا للمنطقة ولا لـ «الجيران»، وفي كل الأحوال يمثّل الضرر بأي مخالفة على السكن الخاص نقطةً في بحر الأضرار التي نشأت وتراكمت من التعدي على أملاك الدولة الصناعية والتجارية والحرفية.
لو قُدّر لي توجيه نصيحة للجهاز التنفيذي الحكومي في موضوع إزالة التعديات على أملاك الدولة، لنصحت بما هو بديهي ولا يحتاج إلى ذكاء أو عبقرية، وهو البدء بإزالة المخالفات الكبيرة والأكثر ضرراً، نزولاً إلى الأقل حجماً، وأعني هنا ليس فقط التعديات الواضحة على أملاك الدولة، كتجاوز المساحات المحددة، أو الاستغلال المخالف للأغراض التي مُنحت على أساسها القسيمة الحكومية، إنّما أيضاً مواجهة أكبر مخالفة مسكوت عنها في الكويت، وهي سلسلة إيجارات عقود الباطن على أملاك الدولة.
فالآثار السلبية المترتبة على إيجارات عقود الباطن لا تتوقف فقط عند سوء استغلال الأراضي الحكومية بغير ما استهدفت الدولة من منح الأراضي من أغراض خدمية أو صناعية، أو غيرها من الأغراض التي يحتاجها السوق أو الاقتصاد، إنّما تمتد نتيجة إلى تسلسل العقود وتراكم تكلفتها إلى ضغوط تضخمية على المستهلكين وعامل ضغط ومصروفات متصاعدة على المشغل الفعلي، بل إن أضرار عقود الباطن على أملاك الدولة تصل إلى سوق العمل، لكونها أحد العوامل الضاغطة على رغبة الكثير من الشباب الكويتيين لمزاولة العمل الحُر.
وكان الأجدر بالإدارة التنفيذية في العديد من مؤسسات الدولة البدء في معالجة هذه المخالفات، بحيث تفرز المشغّل الفعلي، سواء كان صناعياً أو خدمياً أو حرفياً... إلخ، عن سلسلة المتاجرين بعقود الباطن على أملاك الدولة.
مع الأسف، في الكويت تستطيع أن تجد جمهوراً مؤيداً لأي إجراء شكلي كإزالة مخالفات المنازل، حتى ولو لم يترتب على الإجراء الحكومي فائدة واضحة، أما المخالفات الأكثر إلحاحاً والأعمق ضرراً فلا تشكّل أي أولوية حقيقية في سُلّم قرارات الإدارة التنفيذية.