في وقت تكثف واشنطن ضغوطها للحصول على تعهد إيراني صريح بإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية ووقف استهداف السفن التجارية، اختار المرشد الإيراني المتواري مجتبى خامنئي توجيه رسالة تصعيدية تعهَّد فيها بـ«الثأر» لوالده، في خطوة بدت بعيدة عن أجواء التهدئة التي تسعى الأطراف الإقليمية والدولية إلى تثبيتها بعد جولة المواجهة الأخيرة.
وبعدما أثار غيابه عن مراسم تشييع ودفن والده في مشهد تساؤلات جديدة بشأن وضعه الصحي وقدرته على إدارة المرحلة الانتقالية، جدد مجتبى تعهده بملاحقة المسؤولين عن مقتل المرشد الإيراني السابق، مؤكداً في رسالة مكتوبة نشرتها وكالة فارس التابعة لـ «الحرس الثوري» أن «الانتقام هو مطلب أمتنا ولا بد من تنفيذه».
وجاءت الرسالة بعد ساعات من تحذير شديد اللهجة وجهه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كشف فيه عن وجود خطط عسكرية جاهزة لتدمير إيران في حال أقدمت هي أو أي جهة مرتبطة بها على تنفيذ تهديداتها السابقة باستهدافه أو محاولة اغتياله، مؤكداً أن الجيش الأميركي تلقى أوامر واضحة بالرد الفوري والحاسم على أي تحرك من هذا النوع.
في موازاة التصعيد الكلامي، كشفت وسائل إعلام أميركية أن إدارة ترامب طالبت إيران بإصدار إعلان واضح وصريح يؤكد التزامها بحرية الملاحة في مضيق هرمز ووقف إطلاق النار على السفن التجارية، باعتبار أن قضية أمن الممر البحري الاستراتيجي بقيت خارج التفاهمات التي أنهت جولة التصعيد الأخيرة بين الجانبين.
ووفق موقع «أكسيوس»، منحت واشنطن طهران مهلة محدودة لإعلان التزامها بفتح جميع قنوات المضيق أمام حركة التجارة والطاقة الدولية، محذرة من عواقب خطيرة في حال تجاهل الرسالة التي نُقلت عبر وسطاء إقليميين.
وفي مؤشر على حساسية الملف بالنسبة إلى القيادة الإيرانية، نقلت «رويترز» و«وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين قولهم إن مسؤولين إيرانيين قدموا بالفعل اعتذاراً عن الهجمات التي استهدفت ثلاث ناقلات نفط الأسبوع الماضي، بينها ناقلتان سعودية وقطرية، وأرجعوا تلك الحوادث إلى عناصر متشددة داخل إيران تعارض مسار المفاوضات، وتخشى أن يؤدي تحييد المضيق أو انتقال جزء من الحركة البحرية إلى المسار العماني الجنوبي، إلى تقليص أوراق الضغط التي تمتلكها طهران.
إلى ذلك، تحدثت تقارير أميركية عن استعداد واشنطن وطهران للعودة إلى طاولة المفاوضات، وهذه المرة في سلطنة عمان أو سويسرا، في وقت أثارت صور عن تحركات نووية إيرانية مخاوف من تصاعد الخلاف بين الجانبين، وأن يتعدى التباين حول مستقبل الترتيبات الأمنية في «هرمز».
وفي تفاصيل الخبر:
تعهّد المرشد الإيراني المتواري مجتبى خامنئي، في رسالة مكتوبة نُشرت أمس، بالثأر لوالده، وذلك بعد تغيبه عن مراسم التشييع والدفن التي انتهت ليل الخميس الماضي في مشهد، وهو ما جدد الشكوك حول وضعه الصحي.
وجاء في الرسالة التي نقلتها وكالة فارس التابعة لـ «الحرس الثوري» أن «الانتقام هو مطلب أمتنا، ولا بد بالتأكيد من تنفيذه». وأضاف البيان مخاطباً الزعيم الراحل: «نتعهد بأننا سننتقم لدمائكم الطاهرة ودماء جميع شهداء هاتين الحربين من القتلة المجرمين الموصومين بالعار. إن هؤلاء المجرمين، الذين تُعرف وتُوثق أسماؤهم من أعلاهم إلى أدناهم، سيأخذون معهم إلى القبر أمنيتهم في الموت بسلام في سن الشيخوخة وعلى أسرّتهم. وعليهم أن يدركوا أن هذا الأمر لا يتوقف على وجودي أو وجود مسؤولين آخرين».
جاءت رسالة مجتبى بعد أن حذّر الرئيس الأميركي الجمهوري دونالد ترامب من أنه جهز خططاً لـ «إبادة» طهران في حال شرعت أو نجحت في اغتياله.
وقال ترامب في منشور على منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، إن هناك «ألف صاروخ جاهز للإطلاق وموجّه نحو الجمهورية الإسلامية، مع آلاف أخرى ستتبعها فوراً، في حال أقدمت الحكومة الإيرانية على تنفيذ تهديدها، الذي أطلقته في أنحاء متفرقة من العالم، باغتيال رئيس الولايات المتحدة، وهو أنا، أو محاولة اغتياله».
وأضاف «صدرت الأوامر بالفعل، والجيش الأميركي على أهبة الاستعداد، وجاهز، وقادر، لمدة عام قابل للتمديد، على تدمير جميع مناطق إيران بشكل كامل».
تعهد واضح
في غضون ذلك، وفي وقت انتهت جولة القصف الاخيرة بين واشنطن وطهران من دون معالجة لقضية الملاحة في «هرمز» التي كانت السبب وراء اندلاع العنف، كشفت وسائل إعلام أميركية أن إدارة ترامب طالبت طهران بالإعلان بوضوح أنها ستوقف اطلاق النار على السفن في مضيق هرمز التزاماً بمذكرة التفاهم الموقّعة بين البلدين.
وتحدث موقع أكسيوس عن مهلة ساعات مُنحت لطهران لإصدار بيان صريح تُقر فيه علناً بأن مضيق هرمز مفتوح، وتتعهد بوقف إطلاق النار على السفن التجارية، وتؤكد أن جميع قنوات الممر المائي الاستراتيجي ستكون مفتوحة ومجانية.
وبحسب «أكسيوس» فإن الرسالة التي نقلت مباشرة إلى طهران عبر وسطاء إقليميين، تحذر ايران من عواقب وخيمة في حال قررت تجاهل التحذير.
في المقابل، كشفت «رويترز» و«وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن مسؤولين إيرانيين اعتذروا بالفعل عن إطلاق النار على 3 ناقلات نفط بينهما ناقلتان سعودية وقطرية الأسبوع الماضي، وهو الحادث الذي أدى الى رد أميركي حازم.
ووجّه المسؤولون الإيرانيون اللوم في الاعتداء على السفن لعناصر إيرانية متطرفة رافضة للمفاوضات، تخشى من تأثير مرور السفن عبر الممر العماني (الجنوبي) على نفوذ طهران بالمفاوضات.
المسار العُماني
وبينما أفادت شبكة إيه بي سي نيوز الأميركية بأن الوفدين المفاوضين، الأميركي والإيراني سيعودان إلى طاولة المفاوضات، لكن هذه المرة في سلطنة عُمان، أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في مسقط، أمس، مباحثات مع نظيره العماني بدر البوسعيدي بشأن ترتيبات مشتركة لإدارة «هرمز»، مؤكداً في الوقت نفسه أن طهران «أوفت بكلمتها بشأن مذكرة التفاهم على عكس واشنطن».
في المقابل، نفت وكالة فارس، نقلا عن مصدر مقرّب من فريق التفاوض الإيراني، صحة المعلومات بشأن استئناف التفاوض مع واشنطن. وذكر المصدر الإيراني أن المفاوضات مستبعدة حتى تتراجع واشنطن عن مواقفها، مضيفاً أن مؤشر التراجع الأميركي بالنسبة لإيران يكون بتنفيذ التفاهمات المتفق عليها، بما في ذلك حل مسألة المرور عبر المضيق وفقاً للترتيبات الإيرانية، وعودة تصدير وتدفق النفط إلى وضعها الطبيعي وتشكيل فريق عمل خاص بلبنان.
وكان وفد قطري زار العاصمة الإيرانية أمس الاول، في حين نقل «أكسيوس» عن مصدر وصفه بالمطلع أن جولة جديدة من المفاوضات التقنية الأميركية الإيرانية يُتوقع عقدها، الأسبوع المقبل، مرجحاً أن تستضيفها سويسرا.
وفي قضية أخرى قد تثير التوتر بين طهران وواشنطن، كشفت صور أقمار اصطناعية حصرية لـ «سي إن إن» مؤشرات تفيد بأن إيران قد تكون بصدد إعادة بناء بعض منشآتها النووية التي تثير شبهات بتطوير أسلحة ذرية خاصة في بارشين.
وتزامن ذلك مع تأكيد مسؤول أميركي أن واشنطن لن تبرم أي اتفاق سياسي مع طهران ما لم تحصل على «الغبار النووي»، مشدداً على أن بلاده تملك الكثير من البدائل والخيارات في حال رفض الجانب الإيراني الاستجابة لهذا الشرط.
وفي وقت يمثل ذلك عودة للتشدد الأميركي بشأن اليورانيوم عالي التخصيب بعد قول ترامب سابقا بأنه قد يقبل بتخفيض نسبة تخصيبه داخل إيران، أكد مسؤول أميركي أن الرئيس منح المفاوضين مساحة ووقتاً كافيين للمضي قُدماً في التوصل إلى اتفاق نووي، «لكن ليس مساحة ووقتاً كبيرين»، مضيفاً أنه يجري وضع خطط لخيارات بديلة في حال عدم التوصل إلى اتفاق نووي.
في السياق، ذكرت «معاريف» أن الجيش الإسرائيلي أنهى إعداد خطط لشن هجوم واسع على البنى التحتية الإيرانية تحسباً لاندلاع مواجهة عسكرية جديدة مع طهران أو تعرّض الدولة العبرية لهجوم إيراني، في حين يفضل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عدم الانخراط حالياً في التصعيد الذي يخشى من تحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع.
مواكبة إقليمية
إلى ذلك، بحث ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي التطورات الراهنة في المنطقة بما في ذلك المحادثات بين طهران وواشنطن. وأكد الجانبان خلال الاتصال أهمية أمن الملاحة والممرات البحرية ودعم كل ما يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
كما ناقش وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان ونظيره الأميركي في اتصال هاتفي منفصل ضرورة التنسيق المشترك من أجل الأمن والاستقرار الإقليميين.