«إنَّهُ يَنْبَحُ النَّاسَ قَبَلاً»، يضرب لبذيء اللسان، الذي يتطاول على الناس ويشتمهم بوقاحة من دون أي سبب أو ذنب اقترفوه، فشبّهته العرب بالكلب الذي ينبح «قَبَلاً»، مواجها كل مَن يصادفه.
الله سبحانه ذكر «قبلاً» من نفس الجذر اللغوي، حين قال: «أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا»، أي أن الكافرين يرون العذاب مواجهةً، وذكر الرسول، ﷺ، «قبلاً»، حين سُئِل: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تُضارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تُضارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم ترونه كذلك قُبُلاً»، أي مواجهةً. العرب أيضاً تقول: «كلَّمته قَبَلاً»، أي كلمته مواجهةً وليس في غيبته.
أما لفظة «النباح قَبَلاً» فلم تُقَل مباشرة، فقد ذمّ النبي ﷺ الخوارج الذين يلقون الناس بشرّهم وخصومتهم، مشبهاً إياهم بالكلاب، فقال: «الخوارجُ كِلابُ النارِ»، وقال أيضاً عن الذين ينبحون على الناس «قبلاً»: «أتدرون من المفلس؟، قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع، فقال: «إن المفلس من أمّتي يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا».
وقد حفل الشعر العربي بأبياتٍ تصف هذا الصنف من البشر، الشرسِ في خصومته، البذيء في لسانه، الذي يواجه الناس بشرّه وصياحه علانيةً «قَبَلاً» كالكلب العقور الذي يُتقّى شره اتقاءً لفحشه.
الإمام الشافعي حذّر منه قائلاً:
أَعرِض عَنِ الجاهِلِ السَفيهِ فَكُلُّ ما قالَ فَهُوَ فيهِ
ما ضَرَّ بَحرَ الفُراتِ يَوماً أن خاضَ بَعضُ الكِلابِ فيهِ
وهذان بيتان منسوبان للحطيئة، يعبّر فيهما عن بغضه لفاحش اللسان:
وَلَقَدْ رَأَيْتُكَ فِي المَنَامِ بَغِيضاً كَالْكَلْبِ يَنْبَحُ فِي وُجُوهِ النَّاسِ
تَلْقَى الرِّجَالَ بِشَرِّ مَا أُوتِيتَهُ عِياناً بِلَا وَجَلٍ وَلَا إِحْسَاسِ
وهذان بيتان يصفان من يملك لساناً ينبح به مواجهةً:
وَاحْذَرْ مِوَاَجَهَةَ اللَّئِيمِ فَإِنَّهُ كَالْكَلْبِ يَنْبَحُ كُلَّ مَنْ يَلْقَاهُ
إِنَّ السَّفِيهَ إِذَا تخاطبهُ تَرَى شَرَّاً يَسِيلُ بِفِيهِ حِينَ تَرَاهُ
وهناك وسائل إعلام ينطبق عليها المثل «إنَّهُ يَنْبَحُ النَّاسَ قَبَلاً»، فهي لا تتورع عن التطاول بوقاحة على أمم وبَشَر، وعلى أديانهم وطوائفهم، من دون وازع أخلاقي يردعها، ولكننا نقول: فما ضرّ السحاب نبح الكلاب، وما ضر القافلة وهي تسير؟
* ملحوظة:
فرقة الخوارج، ويُطلق عليها أيضاً المُكفّرة أو المارقة، هي أول أقدم فرقة انفصلت عن جماعة المسلمين خلال عهد النبي، صلى الله عليه وسلم. ظهرت على يد ذي الخويصرة التميمي، فهو مَن تطاول على النبي، متهماً إياه بالظلم في توزيع الغنائم بعد إحدى الغزوات، وأهم عقائدهم التكفير بالذنوب والمعاصي، واستحلال السيف على المسلمين، وهم من قتلوا ذا النورين عثمان بن عفان، رضي الله عنه، ثم صاروا من شيعة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ثم تمرّدوا عليه لأنه قَبِلَ التحكيم لتسوية الصراع مع منافسه معاوية، فقاتلهم وهزمهم في معركة النهروان، فاغتاله الخارجي عبدالرحمن بن ملجم.