أقامت الجمعية الكويتية للتراث لقاءها الختامي للموسم الثقافي، الذي حمل عنوان «الريف الكويتي... ذاكرة تتلاشى: الجهراء نموذجاً»، وقدمه الأديب د. خليفة الوقيان، وأدار الفعالية عضو مجلس الإدارة صالح المسباح، في مقر الجمعية، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي، يتقدمهم الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب د. محمد الجسار، والأمينة العامة المساعدة لقطاع الآثار الإسلامية بالتكليف ومديرة مكتبة الكويت الوطنية بالتكليف الشيخة د. العنود الصباح، إلى جانب د. هيفاء السنعوسي، ود. فيصل الوزان، والإعلامية ليلى أحمد، ورئيس الجمعية الكويتية للتراث فهد العبدالجليل، وأعضاء مجلس إدارة الجمعية. 

وتضمنت الفعالية ركناً خاصاً لإصدارات د. الوقيان، تولى إقامته عضوا مجلس إدارة الجمعية المسباح وهاني العسعوسي، حيث استعرض الركن الخاص أبرز مؤلفاته وإصداراته الأدبية، إلى جانب الكتب التي صدرت عنه وتناولت مسيرته الأدبية والثقافية.

قامة ثقافية

Ad

في مستهل الفعالية، أكد المسباح أن الجمعية حرصت على استضافة قامة ثقافية كويتية بارزة، وأديب وشاعر ومؤرخ أثرى المشهد الثقافي منذ ستينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن د. خليفة الوقيان يعتبر أحد أبرز الأسماء التي أسهمت في الحركة الأدبية والفكرية في الكويت. 

وأضاف أنه تعرّف إلى د. الوقيان منذ التحاقه بجامعة الكويت لدراسة اللغة العربية، حيث كان اسمه حاضراً في المحاضرات التي قدمها نخبة من الأساتذة، منهم د. عبدالله العتيبي، ود. محمد حسن عبدالله، إلى جانب د. سهام الفريح، ود. نورة الرومي.

مسيرة فكرية وأدبية

واستعرض المسباح جانباً من المسيرة الأدبية والفكرية للدكتور الوقيان، متوقفاً عند أبرز مؤلفاته وإصداراته، ومنها كتاب «الثقافة في الكويت» وكتاب «القضية العربية في الشعر الكويتي»، وديوان «الخروج من الدائرة»، إلى جانب الدراسات التي تناولت تجربته الإبداعية، ومنها كتاب الدكتورة هيفاء السنعوسي «شعر خليفة الوقيان بين الموقف الفكري والبناء الفني»، وكتاب «خليفة الوقيان من الألف إلى الياء: دراسة في أدب الشاعر وشخصيته» للدكتور أحمد بكري عصلة، مؤكداً أن هذه المؤلفات تعكس المكانة الأدبية والفكرية التي يحتلها الوقيان على الساحة الثقافية الكويتية والعربية.

وحول «الريف» موضوع المحاضرة أوضح المسباح أن د. الوقيان لديه وجهة نظر يريد أن يستعرضها، موضحاً أن الكويت عرفت مناطق ريفية ومزارع منذ القدم، ومن أبرزها أبوحليفة والجهراء. 

وذكر أن الجهراء تمتلك تاريخاً زراعياً يمتد لنحو 3 قرون، لافتاً إلى أن أقدم ذكر موثق لها ورد في مخطوطة الرحالة الدمشقي مرتضى بن علوان عام 1709م، وهو ما يعكس عمقها التاريخي ومكانتها في الذاكرة الكويتية.

3 بيئات

من جانبه، قال الوقيان: «تمتاز الكويت بوجود ثلاث بيئات فيها، البيئة البحرية، والبيئة الصحراوية، والبيئة القروية. فالبيئة البحرية خلقت مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ، ومهنة السفر لنقل البضائع... وأمدت البيئة الصحراوية المدينة والقرى بمنتجاتها من اللحوم والألبان، ومشتقاتها وكذلك الصوف والجلود. وكانت البيئة القروية مصدراً للغذاء بمنتجاتها الزراعية الكثيرة للإنسان وفي مقدمتها القمح ثم الخضراوات، مستشهدا بما ذكره الشيخ عبد العزيز الرشيد في كتابه «تاريخ الكويت» الصادر عام 1926م، من أن صادرات الكويت كان منها « اللؤلؤ، والدهن، والصوف، والجلد، والبهم، والثعلب، والبقر، وفرو الغنم، والطماطم».

وأشار الوقيان إلى أن «البيئة القروية أهملت إهمالاً شديداً حتى تلاشت، ولم يعد لدينا سوى جيوب بسيطة، أغفلتها أو أفلتت من يد الإهمال والتدمير، ومن هذه الجيوب مزارع الجهراء، لحسن الحظ وقعت بين البيوت، ولهذا فإن المنتفعين من الاستيلاء على أملاك الدولة بأبخس الأثمان لم يشاهدوها في ذلك الوقت وبقيت، وأدركت هذا الشيء قبل ثلاثين سنة فكنت أحمل همّ الحفاظ على القرية الكويتية أو على نموذج واحد على الأقل من القرية حتى نذكّر أبناءنا أن آباءهم عملوا ووفروا أشياء كثيرة جداً، ومن المنتجات التي كانت تنتجها المناطق الزراعية في الفنطاس، والفحيحيل، والشعيبة، وبوحليفة، والمنقف من الجنوب، والجهراء من الشمال، الخضراوات وحتى القمح كان يزرع فيها».

توثيق

وأوضح الوقيان أن من الجيوب التي أفلتت من يد التدمير «مزارع الجهراء»، مستعيداً ذكرياته قائلاً إن أسرته كانت تقضي هناك نحو ثلاثة أشهر كل عام، رغم أنهم لم يكونوا يمتلكون مزرعة، بل منزلاً فقط، شأنهم شأن كثير من الأسر الكويتية التي اعتادت قضاء فترة الإجازة الربيعية في الجهراء، فيما يطيل آخرون فترة إقامتهم.

وأضاف أن تلك الذكريات بقيت عالقة في وجدانه، ولا سيما مشاهد المزارع التي كان يستيقظ فيها على صوت مكائن الري. وأشار إلى أن هذه الذكريات دفعته لاحقاً إلى زيارة المزارع مجدداً ليتأكد مما تبقى منها، معرباً عن سعادته عندما وجد عدداً منها لا يزال قائماً كما كان في الماضي، بما تضمه من طرق طينية ومبانٍ وغرف صغيرة كان المزارعون يستريحون فيها، مؤكداً أنها تمثل نموذجاً متكاملاً لبيئة قروية كويتية أصيلة، لا تحتاج سوى إلى العناية والترميم والحفاظ عليها. 

وأشار إلى أن آبار الجهراء «مميزة»، وتحمل بين أحجارها ملامح التاريخ، إذ طويت بطريقة تقليدية توحي بقدمها وإن الأحجار مجلوبة من أماكن أخرى كمرتفعات المطلاع وتوارثها عبر الأجيال، مضيفاً أنه وثق هذه الآبار بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو، معلقاً: «إذ كنت على ثقة بأن المسؤولين سوف يشعرون بالسعادة حين يشاهدونها».

مزار سياحي

وأوضح الوقيان أنه بدأ منذ عام 1998 مخاطبة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مقترحاً المحافظة على مزارع الجهراء وتحويلها إلى «متحف زراعي حي» بعد إعادة تأهيلها، لتكون مزاراً ثقافياً وسياحياً للأجيال القادمة. 

وأضاف أنه أعاد تقديم المقترح عام 2000، إلا أن المشروع تعثّر بسبب الإجراءات البيروقراطية، مشيرا إلى أنه كان يخشى إزالة المزارع ضمن مشروع المنتزه القومي في الجهراء. 

وقال الوقيان: «إنه في عام 2016 التقيت برفقة د. سلطان الدويش ود. خلف الخطيمي بالفريق فهد الأمير المحافظ الأسبق للجهراء، وقدمت له صورة عن المذكرة. وقد قام الفريق فهد الأمير بجهد كبير يفوق ما قامت به كل الجهات الحكومية المعنية، ولكن قبل نحو عام سمعت أنه تم تحويل تبعية المنتزه القومي لمدينة الجهراء إلى بلدية الكويت».

ملف مصور

واستعرض د. الوقيان خلال اللقاء ملفاً مصوراً وثّق فيه مزارع الجهراء، تضمّن عدداً من الصور التي رصدت تفاصيل البيئة الزراعية، بما فيها بساتين النخيل، والآبار التقليدية المطوية بالحجارة، وقنوات الري، والطرق الطينية، إلى جانب الحقول الزراعية التي تعكس ملامح القرية، مؤكدًا أن هذه الصور تمثل توثيقاً بصرياً مهماً لذاكرة زراعية تستحق الحفظ والصون، موضحاً أن الملف يضم صوراً قديمة وأخرى حديثة توثق مزارع الجهراء عبر مراحل زمنية مختلفة، كما وثق أسماء أصحاب عدد من تلك المزارع، التي تعود إلى عائلات الأمير، والهدة، ومطيران الحبشي، وفريح مهوس الفريح، والعيار.

واختتم د. الوقيان محاضرته بدعوة إلى تضافر الجهود للحفاظ على ما تبقى من الريف الكويتي، قائلاً: «أتمنى فزعتكم للحفاظ على البقية الباقية مما يُسمى بالريف الكويتي، أو القرية الكويتية، بعد أن اندثرت معظم معالمها، ولم يبقَ منها سوى هذا النموذج».

المدخلات 

وشهد اللقاء مداخلات ونقاشات من الحضور أكدت أهمية الموضوع، ففي البداية أكد الأمين العام للمجلس د. محمد الجسار أهمية الحفاظ على التراث المادي، مشيراً إلى أن ذاكرة الإنسان تُصان في الكتب كما تُحفظ أيضاً في الموروث المادي الذي تتناقله الأجيال، وهو يدل على العمق التاريخي للإنسان.

وأضاف أن الجهراء تمتلك تاريخاً عريقاً، إذ كانت محطة رئيسية للقوافل، ولا سيما قوافل الحج، مؤكداً أن الحفاظ على مزارعها وموروثها التاريخي هو حفاظ على هوية الكويت.

من جانب آخر، أوضح الجسار أن المجلس الوطني أسس المختبر الطيني، مبيناً أنه يهدف إلى تدريب الشباب، بالتعاون مع خبراء دوليين لنقل الخبرات وتعزيز الكفاءات الوطنية في مجال صون التراث.

البيئة الزراعية

من جانبها، أعربت الشيخة د. العنود الصباح عن سعادتها بحضور المحاضرة، مؤكدة أهمية الموضوع الذي طرحه د. الوقيان. واقترحت إصدار كتاب يوثق بحثه عن الريف الكويتي، يتضمن الصور والمواد التوثيقية التي جمعها، بما يسهم في حفظ هذا الإرث وتعريف الأجيال المقبلة بتاريخ البيئة الزراعية في الكويت على أن يكون ضمن مقتنيات مكتبة الكويت الوطنية وإتاحته للباحثين والمهتمين.

أما رئيس الجمعية الكويتية للتراث فهد العبد الجليل فوجه الشكر إلى د. الوقيان على إثارته هذا الموضوع المهم، مؤكداً أن قضية الحفاظ على مزارع الجهراء ليست جديدة، وأن د. الوقيان ظل يطالب بها على مدى سنوات. 

وأضاف العبد الجليل: «شهدت شخصياً الجهود التي بذلها د. الوقيان في هذا الملف، ونشكره على طرحه في الجمعية، ونتطلع إلى أن يكون لنا دور، ولو بسيطا، في دعمه والمساهمة في الحفاظ على ما تبقى من الريف الكويتي».

اهتمام المجلس

بدورها، أشادت د. هيفاء السنعوسي عضو هيئة التدريس بجامعة الكويت باهتمام د. الوقيان بقضية مزارع الجهراء، مؤكدة أنها تعرف مدى حرصه وإصراره على طرح هذا الملف منذ سنوات. 

وأوضحت السنعوسي أن مفهوم القرية الكويتية يكاد يكون غائباً عن الوعي العام، في حين ارتبطت الصورة الذهنية للكويت بالبحر، والبحر عصب الموروث الكويتي، ولا يمكن إغفاله، ولكن ينبغي أيضاً تسليط الضوء على منطقة الجهراء باعتبارها نموذجاً للبيئة القروية في الكويت. معربة عن أملها أن يحظى هذا الملف باهتمام المجلس الوطني للثقافة.