الأمن الثقافي هو قدرة المجتمع على حماية هويته الثقافية، واستمراريتها مع الانفتاح الواعي على العالم دون الذوبان فيه، ويشمل ذلك الحفاظ على اللغة كوعاء للفكر والذاكرة، ومنظومة الأخلاق والقيم والعادات وكل ما ينظم حياة الناس.

قد يحدث سواء في حالة الحروب أو السلم، أن يصبح الحفاظ على الهوية الثقافية تلقائياً وغريزياً لدى قطاعات من المجتمع، كما حدث أيام الاحتلال العراقي عام 1990، لكن وضع أساساتها يقع ضمن وظائف الدولة، إذ قد تظل هناك خاصرة رخوة عندما يكون التعليم بكل مفرداته ضعيفاً، مما ينتج عقولاً سطحية لم تُهيأ لعمق فكري ولم تتدرب على مواجهات ومحاكمات عقلية وأسئلة عميقة، وكذلك تسطيح النتاجات المادية والمعنوية من ضمنها الآداب والفنون.

فالإنسان يحارب حفاظاً على هويته الثقافية ويقاوم ذوبانها من خلالها، فكلما كان الأمن الثقافي صلباً وراسخاً في المجتمع، ينتج إنساناً يمتلك قوة فكرية وأخلاقية ووعياً بالواقع الداخلي والخارجي، فالثقافة الدخيلة قد تتسرب دون أن يشعر بها المجتمع لأنها ناعمة، أو لا تنتبه لها الدولة، أو قد تذوب الهوية الثقافية، بفعل قسري دون عمل أو تدخل لانتشالها.

Ad

ذوبان الهوية الثقافية الوطنية أيضاً قد يكون بسبب الولاءات للهويات الصغرى، على حساب الهوية الوطنية أو المركزية، أو هويات ما قبل الدولة المدنية، مثل الطائفة والقبيلة والعشيرة، وهذا لا يعني أن نمحو الهويات الفرعية أو نستغني عنها، فتنوع الهويات الثقافية في المجتمع، يعطي غنى وثراءً وتنوعاً في المجتمع، لكن كلما ضعف اهتمام الدولة بالثقافة، ولم تعتبرها ركيزة من ركائز التنمية الشاملة، كلما اتجه الإنسان بولائه لهويته الفرعية.

وعندما نشير إلى الاهتمام بالثقافة باعتبارها قوة ناعمة، لا نقصد الفهم البسيط لها، مثل اعتبارها أغاني أو كتاباً أو رواية وشعراً، أو ترويحاً وترفيهاً، فالثقافة أعمق بكثير من ذلك، هي إعادة برمجة ثقافية للمجتمع، سلوكياً وتعليمياً وإنتاجاً لمشروعات ثقافية، تنتج مزيداً من الوعي وانتشاره في المجتمع، حتى تصبح صبغته اللصيقة.

وهذا يتطلب إيجاد جهة متخصصة بالتخطيط الثقافي الاستراتيجي، أو ما أسميناه إعادة برمجة ثقافة المجتمع، أي وزارة للثقافة «فالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، هو جهة تنفيذية»، لا يملك الإمكانات البشرية واللوجستية لوضع استراتيجيات ثقافية، وخططه محدودة لم تتغير كثيراً منذ إنشائه، بصفته منفذاً للأنشطة الثقافية.

الأمن الثقافي هو فعل مقاومة ونضال من أجل الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية، ضد هويات دخيلة أو محاولة فرض هوية فرعية على المجتمع، فمثلاً استيلاء جماعة أو حزب على أركان الثقافة من تعليم وفنون وآداب، هي محاولة لفرض قيم وسلوكيات بعيدة عن شخصية المجتمع الثقافية، وقد تغلق مصادر التفكير والابتكار بناء على أيدلوجيتها.

لكن تدخل الدولة الهادف والمقصود، كفيل في تحصين الأمن الثقافي، إضافة إلى الغريزة الإنسانية في الدفاع عن هويته، كما حدث أيام الاحتلال العراقي عام 1990، والحفاظ على ذاكرته التاريخية ومنع الهزيمة الثقافية، فالكفاح من أجل الهوية لا يختلف عن الكفاح والدفاع عن الأرض والكيان، ولا يختلف عن المقاومة المسلحة للدفاع عن الوطن.

كما أن الأمن الثقافي يحمي اللحمة الوطنية ووحدة المجتمع، ضد التضليل المعادي للهوية الثقافية والقيم الوطنية، وتصبح المقاومة الثقافية وجودية، حيث إن الثقافة أطول عمراً من الأفراد، ولا ترتبط بحاضره فقط فهو وريث التاريخ والحضارات القديمة، ولذا فالحفاظ على التراث والآثار والأماكن هو جزء لا يتجزأ من تحصين الأمن الثقافي.

الأمن الثقافي هو على صلة بالأمن الاجتماعي والسياسي، ومن دون ترسيخه يسود الخوف والقلق والتفكك، فالأمن الثقافي يقود إلى الاستقرار النفسي والانسجام المجتمعي، ويرفع من ثقة الأفراد بالمستقبل، ويعزز الانتماء لهويته الوطنية والشعور بالأمن، وهو لا يختلف عن الأمن الغذائي في شعور الأفراد بالاطمئنان والاستقرار النفسي والرضا العاطفي.