من المفارقات العجيبة أن الكويت تمتلك أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، وتدير مئات المليارات من الدولارات في مختلف القارات، بينما يعاني الاقتصاد المحلي حالة ركود مزمنة، وتغلق المشاريع الصغيرة أبوابها الواحدة تلو الأخرى، ويجد الشباب أنفسهم أمام سوق محدود الفرص يعتمد بصورة شبه كاملة على الإنفاق الحكومي.

والسؤال الذي يجب أن يُطرَح اليوم بلا مجاملة: ما قيمة الثروة إذا كانت لا تنعكس على الاقتصاد الوطني؟ وما فائدة تحقيق الأرباح في أسواق العالم، بينما المستثمر الكويتي يواجه التعقيدات والرسوم والبيروقراطية ونقص التمويل؟ الكويت اليوم بحاجة إلى صندوق سيادي ثالث، لكن ليس كهيئة جديدة تضاف إلى قائمة المؤسسات الحكومية المتضخمة، بل كأداة اقتصادية هجومية هدفها إعادة بناء الاقتصاد المحلي، صندوق يضخ الأموال في الصناعة، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي، والخدمات اللوجستية، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بدلاً من ترك هذه القطاعات تواجه مصيرها منفردة.

والحقيقة التي يرفض البعض الاعتراف بها أن النموذج الاقتصادي الحالي وصل إلى حدوده القصوى، فالدولة أصبحت أكبر صاحب عمل، وأكبر ممول، وأكبر مشترٍ في السوق، بينما بقي القطاع الخاص الحقيقي ضعيفاً ومحدود التأثير. والنتيجة اقتصاد هَشّ، يعتمد على النفط، ويعيش على الإنفاق العام، ويتأثر بأي هزّة في أسعار الطاقة أو الأوضاع الإقليمية. المؤلم أكثر أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة، التي تشكّل العمود الفقري لأي اقتصاد حديث، لا تزال تُعامل وكأنها عبء إداري لا فرصة تنموية. بدلاً من تسهيل عملها، تُغرق بالاشتراطات والرسوم والإجراءات المتناقضة. وبدلاً من احتضان رواد الأعمال، يُترك الكثير منهم لمواجهة الفشل وحدهم. الصندوق السيادي الثالث يجب أن يكون شريكاً في بناء المصانع، وممولاً للشركات الناشئة، ومستثمراً في الابتكار والتقنيات الحديثة، ومظلة حقيقية للمشاريع الوطنية.

Ad

يجب أن يمتلك الجرأة للدخول في القطاعات الجديدة، وأن يتحمّل جزءاً من المخاطر التي يعجز عنها المستثمر الفرد. ولا يعقل أن تستثمر الكويت مليارات الدنانير في الخارج بحثاً عن عوائد مستقبلية، بينما يتم إهمال الفرصة الأكبر داخل حدودها. ولا يُعقل أن نتحدث كل عام عن تنويع الاقتصاد، بينما لا تزال مساهمة القطاعات الإنتاجية محدودة، وما زالت الوظائف الحكومية هي الحلم الأول لأغلبية الشباب. المعركة الحقيقية للكويت ليست في إدارة الأموال فقط، بل في صناعة اقتصاد قادر على البقاء بعد النفط. وإذا لم تبدأ الدولة اليوم في استثمار جزء من قوتها المالية لبناء اقتصاد وطني منتج، فإنّ الأجيال القادمة سترث أصولاً ضخمة في الخارج، لكنّها ستواجه اقتصاداً محلياً ضعيفاً وعاجزاً عن خلق الفرص. لهذا فإنّ إنشاء صندوق سيادي ثالث ليس خياراً اقتصادياً إضافياً، بل ضرورة وطنية، لأنّ الخطر الحقيقي على الكويت ليس نقص الأموال، بل استمرار الاعتماد على نموذج اقتصادي استهلكته العقود، ولم يَعُد قادراً على صناعة المستقبل.