أثاث المكان: رائحة الشاي تذيب الأيديولوجيا

جمعتنا تلك الليلة «ديوانية» دافئة، أعادت وصل ما انقطع من حبال السنين بين الأصدقاء القدامى. كنا لوحة فسيفسائية تمثل كل التيارات الفكرية والسياسية؛ هنا رفيق يميل لليسار، وهناك مذهبي غارق في أدبياته، وبينهما علماني يرى الخلاص في فصل الدين عن الحياة، وإسلامي يحمل همّ الهوية الإسلامية.

توقع من يراقبنا من بعيد أن تتطاير الشظايا بيننا عند أول نقاش، لكن سحر «الموانة» القديمة ورائحة الشاي بالنعناع وضجيج ذكريات المراهقة والشباب المشتركة وأيام الدراسة الجميلة في مصر، كان كفيلاً بإذابة كل الفوارق الفكرية، وتحويل الصراع الأيديولوجي إلى سمر إنساني عذب يعكس طبيعة مجتمعنا المتسامح.

Ad

المفاجأة الساخرة: عندما تتحول الفرحة إلى «أرقام ومطابع» 

في غمرة تبادل الخواطر والأخبار، لمعت عينا «بو مصعب» بنبرة الجد الفخور الممتن، والتفت إلينا قائلاً: «الحمد لله يا جماعة، أبشركم... حفيدي ذو الستة عشر عاماً أتمّ البارحة حفظ القرآن الكريم كاملاً وأخذ الشهادة».

انطلقت التبريكات من جنبات الغرفة، لكن «بو ناصر» (صديقنا القديم راعي الغشمرة ذو التوجه العَلماني) لم يفوّت الفرصة ليضفي لمسته الساخرة المعتادة. ابتسم بخبث محبب، وغمز بعينه قائلاً بصوت عالٍ: «مبرووووووك يا بو مصعب، زادت نسخ القرآن في المسجد نسخة إضافية!».

ضحك الجميع على «الغشمرة» وطريقة إلقائها، فالأمر بيننا لا يحمل ضغينة، لكن هذه المزحة العابرة، في حقيقتها، كانت تختزل رؤية فكرية مادية، ترى في حفظ النصوص مجرد «أرشفة وتكرار ميكانيكي» لا يضيف للواقع شيئاً في عصر التكنولوجيا والديجيتال.

الواقعية الاجتماعية: صوت «الوسط» ينقذ الموقف

قبل أن يشرع «بو مصعب» في صياغة رد فلسفي، تدخل صديقنا «بو خالد» (وهو رجل ليبرالي التوجه، عقلاني، غير متعصب، ويمثل الفئة الوسطية التي تنظر للأمور ببراغماتية اجتماعية بحتة). أخذ رشفة من استكانة الشاي، وقال بنبرة هادئة وصادقة:

«شوف يا بو ناصر، بعيداً عن فلسفة الدين والعلمانية... والله أنا عن نفسي أُدخل ابني حلقات القرآن وربع المسجد والملتزمين، مع مراقبتي له. تدري شنو كل هدفي؟ خله بس يعدي الـ18 سنة وهو نظيف... لا يدخن، ولا يجره أحد للمخدرات والسوالف البطالية. إذا صار عمره 18 ومرت هالمرحلة الحرجة، خل يدش الجامعة هني أو بالخارج، وساعتها يدبر نفسه ويختار طريقه. خل بس يعدي بلاوي المراهقة اللي الولد ما يكون عنده مخ خلالها، وأي واحد بسيجارة ممكن يسحبه للضياع والإدمان، وإنت شايف الداخلية حرب عليهم والضحايا شكثرهم!».

رد بو ناصر بابتسامته المعبرة: «وما تخاف عليه بكرة يصير زرقاوي وبغدادي واللي بالي بالك...؟».

رد بوخالد بثقة: «لا ما أخاف... عيني عليه وأتابعه، وبعدين بصراحة چم زرقاوي وبغدادي عندنا؟ من الآلاف يطلع واحد شدعوه! يا معود واحد من عيالنا طاح بالمخدرات والله أمه وأبوه يقولون لو الله ياخذ أمانته أريح لنا... شوف فهد اليوسف شقاعد يقول!».

ساد صمت مؤقت في الديوانية، فقد وضعت هذه المداخلة النقاش في ميزانه الصحيح: ميزان الشارع، والخوف الحقيقي لكل أب وجد في هذا العصر من الانزلاق في مستنقع العادات السيئة وضياع الأبناء.

رد بو مصعب: تفكيك «النسخة» وبناء الإنسان

هنا، التفت بو مصعب إلى بو ناصر مبتسماً، ورد عليه بنبرة هادئة تجمع بين الفخر والتحليل المنطقي قاصداً تفكيك فكرة النسخة الإضافية:

«يا بو ناصر، كلام بو خالد قبل شوي هو أفضل رد واقعي على منظورك. الولد مو نسخة إضافية مخزنة على الرف أو في زاوية المسجد. في عالم اليوم، أكبر تحد يواجهنا كآباء وأجداد هو الانضباط الذاتي وحماية عقول عيالنا من المشتتات والسيولة الأخلاقية اللي يشوفونها بالإنترنت والشوارع. لما شاب بعمر 16 سنة يقعد كل يوم وقت يلتزم ببرنامج على مدى ثلاث سنين وأكثر عشان يحفظ كتاب بحجم القرآن، إحنا هني ما قاعدين ننسخ ورق، إحنا قاعدين نبني إنسان بآلية تشغيل قوية، وبالمناسبة هو متفوق بدراسته العلمية أيضاً».

وتابع بو مصعب حجته وسط إنصات الجميع: «القرآن اللي في صدر حفيدي الحين مو نص جامد، هذا منهج تحول في سلوكه وفصاحة لسانه وقدرته الذهنية على التركيز. هذا الحفظ يعلمه بر الوالدين، والأمانة، وإتقان العمل، ونفع الناس. هو ما صار ورق صامت، هو صار طاقة حية وإيجابية يحتاجها البلد عشان ينهض ويستقر. المجتمعات يا بو ناصر ما تبنى بالمطابع والآلات، تبنى بالبشر المؤهلين نفسياً وأخلاقياً، وحفيدي الحين مشروع مواطن صالح ومصلح».

الخاتمة: تعليق صاحب الديوانية وعبرة الوعاء الإنساني

بعد هذا الرد المفحم، ربت «بو ناصر» على كتف «بو مصعب» قائلاً بابتسامة: «الله يحفظه لك وتشوفه بأعلى المناصب، وصج... على الأقل كلام بو خالد صح، ضمنا إنه ما يدخن!»، فتعالت الضحكات مجدداً وانتقل الحديث لشؤون أخرى.

لكن صاحب الديوانية، الذي كان يراقب المشهد من مقعده ويستمع بعمق لتفكيك هذه الجدلية، شاركنا تعليقه الختامي قبل أن ينفض السامر، واضعاً النقاط على الحروف في الشأن الاجتماعي العام؛ حيث قال مسترسلاً في تفكيك المشهد:

إن مجتمعنا اليوم يتوزع بوضوح بين ثلاث فئات رئيسية ظهرت جلية في جلستنا هذه:

الفئة الملتزمة التي يمثلها بو مصعب، والتي ترى في القرآن منهج حياة متكاملاً وبناء روحياً وأخلاقياً يعصم الفرد والمجتمع من الانحلال.

الفئة الوسطية العملية التي يمثلها بو خالد، والتي قد لا تشغلها التفاصيل الأيديولوجية المعقدة، لكنها ترى في المسجد ومحضن القرآن درعاً اجتماعية وسلوكية واقية تحمي الأبناء من غول الانحراف والمخدرات في أخطر مراحل العمر الحرج.

الفئة العلمانية التي يمثلها بو ناصر، والتي تنظر للأمور أحياناً بنظرة مادية بحتة، وتخشى من القولبة والنمطية الجاهزة والتطرف، لكنها تغفل عن الأثر السلوكي واللغوي والنفسي المباشر الذي يتركه الحفظ في شخصية الشاب ونشأته الاجتماعية.

وانتهت الليلة بسلام وود، تاركة وراءها فكرة اجتماعية بليغة: كم هو جميل هذا التنوع حين يضبطه الاحترام المتبادل والموانة، والأجمل هو الإدراك الجماعي بأن القرآن الكريم لم يكن يوماً مجرد نسخ تتراكم في المكتبات، بل هو روح تحيا في قلوب وعقول الرجال... وشتان بين نسخة صامتة تُقرأ على الرف، وإنسان حي يمشي بين الناس يُمثل قيم الحق والخير والنفع لوطنه ومجتمعه.

* وزير الصحة الأسبق