تحاصرك التكنولوجيا، ويحاصرك مروجوها، حتى تكاد تشعر بأنك سقطت خارج الزمن إذا لم تلاحقها أو تصبح جزءًا من هذا الذي يسمى «التطور» أو «الحداثة». يمتد ذلك الحصار إلى كل شيء، حتى يشمل الإعلام والصحافة والكلمة والمعلومة والحق في المعرفة، فتتحول الحواجز التي كانت، في معظمها، بشرية أو من صنع البشر، إلى حواجز تكنولوجية أكثر تعقيدًا وتأثيرًا.

من يملك التكنولوجيا يملك القدرة على السيطرة. أليست هذه هي الفلسفة العميقة للرأسمالية؟ تلك التي لم تكتفِ يومًا بالهيمنة على البنوك والاقتصادات والمصانع، ولا على صناعة السلاح والدواء، ولا على النفط والمعادن والمياه والأراضي الزراعية، بل سعت دائمًا إلى احتكار كل مصدر للقوة، واليوم يبدو أن هذه الهيمنة تنتقل إلى المجال الأكثر حساسية وخطورة: المعرفة نفسها وبذلك تزداد توحشاً.

في البداية، انصبّ النقاش على احتمال فقدان آلاف الصحافيين والإعلاميين وظائفهم، كما حدث في قطاعات كثيرة استبدلت فيها الآلة الإنسان. وهو خوف مشروع، فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على كتابة الخبر، وإعداد التقرير، وترجمة النصوص، وإنتاج الصور، ومحاكاة الأصوات، بل وكتابة المقالات في ثوانٍ معدودة.

Ad

غير أن فقدان الوظائف، على أهميته، ليس سوى الوجه الأكثر وضوحًا في هذا التحول، وربما أقل وجوهه خطورة، فالخطر الحقيقي لا يكمن في أن يحل الروبوت محل الصحافي، بل في أن يصبح هو من ينتج الكلمة، ويصوغ المقال، ويختار المعلومة، ويعيد ترتيب أولوياتها. وأن تصبح المعرفة نفسها محتكرة في أيدي عدد محدود من الشركات والدول التي تمتلك الخوارزميات، والبيانات، والبنية التحتية الرقمية، والقدرة على تطوير هذه التكنولوجيا، وعندها لن ينقسم العالم بين من يملكون المال ومن لا يملكونه فحسب، بل بين من ينتجون المعرفة ومن يستهلكونها.

ليس كل هذا التحول جديدا، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الهيمنة، فالاستعمار لم يكن يومًا مجرد احتلال للأرض، بل كان مشروعًا متكاملاً للسيطرة على الثروة والرواية معًا. احتل البلدان ليستولي على الذهب والمعادن، والنفط، والمياه، والأراضي الزراعية، لكنه احتكر أيضًا حق كتابة التاريخ، ورسم الخرائط، وتعريف الجغرافيا، وتقديم حضارات على أنها أصل الحضارة الإنسانية، بينما دفع حضارات أخرى إلى الهامش أو إلى النسيان.

ولعل تلك المقولة الشهيرة: «ما دام الأرنب لا يملك مؤرخا، فسيظل تاريخ الصيد يمجد الصياد» هي الأكثر تعبيرا عن مخاوف التحولات السريعة والهيمنة على المعلومة. فقط تغيرت أدوات احتكار الرواية اليوم وأصبحت أكثر تطورا وقدرة على النفاذ للعقول قبل أن تصل إلى صفحات الكتب والجرائد وشاشات التلفزة. 

وهذا ما يفسر القلق المتزايد لدى الباحثين والأكاديميين، كما تعكسه دراسات وتقارير حديثة حذرت من أن تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية اللازمة لها يتركز في أيدي عدد محدود من الشركات العالمية، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من احتكار المعرفة وتراجع التعددية الإعلامية والفكرية. وقد نبهت إلى ذلك تقارير صادرة عن معهد رويترز لدراسة الصحافة، ومؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، والتي أشارت إلى أن تركز البيانات، والقدرات الحاسوبية، ورؤوس الأموال، في أيدي عدد محدود من الشركات، قد يؤدي إلى احتكار أدوات إنتاج المعرفة وتوزيعها.

ولعل هذا هو الوجه الأكثر توحشًا للرأسمالية في القرن الحادي والعشرين، أن تنتقل من احتكار الثروة إلى احتكار المعرفة، ومن الهيمنة على الموارد إلى الهيمنة على الوعي الإنساني نفسه.

* ينشر بالتزامن مع «الشروق» المصرية