بين مياه الخليج اللاهبة ومضيق هرمز القابض على أنفاس الطاقة العالمية، تتراءى للمراقب فصولُ مسرحيةٍ سياسية رتيبة، تتناوب فيها زئيرُ التهديدات العسكرية مع همسات الدبلوماسية المترددة. غير أن التفكيك الحقيقي لهذا المشهد المتأرجح لا ينبغي أن يقف عند السطح السياسي العابر، بل يقتضي النفاذ إلى أعماق النفس البشرية وخلفياتها الثقافية والتاريخية. إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد نزاع على بنود تقنية أو حصص نفطية، بل هو صدامٌ غائر بين فلسفتين وسيكولوجيتين في إدارة الأزمات، جعلت من حالة «اللا سلم واللا حرب» قدراً بنيوياً للمنطقة، يُرخي بظلاله الثقيلة على واقعنا المعاصر.

وفي هذا الفلك المتلاطم، تتحرك طهران في مناوراتها مدفوعةً بإرث إمبراطوري فارسي تليد، مشبّع بقالب أيديولوجي معاصر، ليتولد من هذا المزيج ما يُعرف في الأدبيات السياسية باستراتيجية حافة الهاوية، وإن السلوك التفاوضي الإيراني ليُحاكي بدقة متناهية صنعة حائك السجاد، ذلك الصانع الذي يغزل خيوطه بصبر أيوب، وأناةٍ لا تعرف الكلال، مستغلاً عامل الوقت كأداة لإنهاك الخصم واستنزاف طاقته. فلا تنظر طهران إلى المفاوضات بوصفها حدثاً حاسماً ينتهي بضربة مطرقة، بل تراها عملية ممتدة، يمتزج فيها الخطاب العقائدي المتصلب بالبراغماتية الشديدة، إذ يُعد تقديم التنازلات المبكرة في العُرف الإيراني سقطة ونقيصة، ولذا يُعاد صياغة الميدان عبر التصعيد المدروس في ملفات الملاحة البحرية والإقليم، لرفع الأسهم قبل الجلوس على الطاولة، إيماناً بأن امتلاك أوراق القوة على الأرض هو وحده ما يمنح الكلمات وزناً رصيناً في غرف التفاوض.

وعلى الضفة المقابلة، يندفع المفاوض الأميركي عقلياً من أرضية ثقافة سياسية غربية، نفعية وعملية، تبحث عن النتائج السريعة والحاسمة في إطار الصفقات العاجلة. فالسياسة الأميركية، بطبيعتها ومؤسساتها، محكومة بدورات انتخابية قصيرة وضغوط داخلية متسارعة، مما يجعل صانع القرار في واشنطن يميل إلى توظيف أدوات القوة الصلبة، والعقوبات الاقتصادية القصوى، والتعبئة العسكرية عبر شبكة القواعد المحيطة بالخليج، بغية تحقيق ردع فوري وإجبار الطرف الآخر على الإذعان السريع. يرى الأميركي أن التفاوض من موقع القوة المطلقة هو السبيل الوحيد لإنجاز الصفقات، ويميل إلى صياغة اتفاقيات قانونية صارمة ومحددة بزمن، وهو ما يصطدم راديكالياً بالرغبة الإيرانية الحذرة التي تفضل دائماً إبقاء المسارات الدبلوماسية فضفاضة، مرنة، ومفتوحة على شتى التأويلات السياسية.

Ad

ومن هنا تتمحور العقدة المستعصية في هذا الصراع حول البارانويا المتبادلة والذاكرة التاريخية المثقلة بالندوب والشكوك، فواشنطن مازالت تتوجس من النظام الإيراني بوصفه امتداداً لأزمة الرهائن التاريخية وعاملاً مهدداً لأمن حلفائها، في حين تقرأ طهران كل تحرك عسكري أميركي على أنه مسعى استراتيجي مبطن لتغيير النظام.

إن هذا المد والجزر الذي تشهده المنطقة اليوم هو النتيجة الحتمية لواقع محكوم بالاستعصاء، ولعدم التكافؤ السيكولوجي بين عقلية تريد حسماً مستعجلاً يضمن أمن حلفائها وقواعدها، وعقلية ترى في المماطلة وتوسيع النفوذ درعاً وجودياً لا يمكن التخلي عنه. ومن عجبٍ أن الحل في هذا الصراع لا ينقصه الوسطاء ولا المبادرات، وإنما ينقصه تجسير الفجوة السيكولوجية بين طرفين، يرى كل منهما في بقاء الآخر مهدداً لبقائه، لتظل منطقة الخليج العربي وممراتها الحيوية بانتظار لحظة تنكسر فيها إحدى الاستراتيجيتين، أو يلتقي فيها الطرفان عند نقطة إنهاك متبادل، تُجبرهما على صياغة واقع جديد.