متلازمة الورقة البيضاء، وتعني عجز الكاتب عن الكتابة أو نقل ما يدور في رأسه على الورق، وهي حالة تصيب معظم الكتّاب سواء في الأعمال الإبداعية والعلمية وكتّاب الرأي في الصحف، ولكن ماذا يعني العجز عن الكتابة والأفكار جاهزة وتتحرق شوقاً للظهور إلى النور؟ بالتأكيد هنالك مشكلة.
لقد سادت تلك المتلازمة عالم الكتابة لزمن طويل قبل الثورة التكنولوجية وظهور حواضن جديدة للكلمات غير الكتب والصحف والمجلات، بحيث نجد مغرّداً يودّ الكتابة والتعليق على موضوع ما حتى لو عن مباراة لكرة القدم، ولكنه لسبب ما يعجز عن كتابة (مساء الخير)، بعد أن كان يكتب بكثافة، بالتأكيد هنالك مشكلة.
لقد حاولت معرفة أسباب تلك المتلازمة العصرية، خاصة أنني قريب من عالم الكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولم أجد غير الرقيب المتطوع الذي يقتطع ويفسّر تغريدات الناس بقدر فهمه وإدراكه، ثم يلصقها بروابط بعض الجهات الأمنية على شكل بلاغ يطلب فيه اتخاذ الإجراءات اللازمة مع ذلك المغرّد أو ذاك.
لقد كنت أكتب عن الرقيب المتطوع قبل أكثر من 10 سنوات، وصراعنا معه بسبب دوره في منع الكثير من الكتب التي لم يقرأها أصلاً!، وخضوع الرقيب الموظف لبلاغاته وشكاواه تجنّباً لأي مساءلة وتداركاً لتداعيات برلمانية متسارعة قد تصل إلى تقديم استجواب!
واليوم توسعت مهام الرقيب المتطوع لتشمل التغريدات و(الستوريات) ومع الأسف الشديد في «قروبات الواتس» الخاصة، وبدل الرقيب أصبح لدينا مئات الرقباء والرقيبات في كل موضوع وأي قضية، والكل (يبلس) على الكل، وهناك صنف فاخر أصفهم بـ «المخزّنين» وهؤلاء لا يخزّنون «القات» اليمني، ولكنهم متخصصون في الـ «سكرين شوت» ليوم آتٍ لا ريب فيه لمغرّدين وناشطين وشخصيات عامة، قد يتم ترشيحهم لمنصب ما، وما هي سوى ساعة حتى يظهر ملف كامل بعشرات التغريدات التي توثّق مواقفهم وآراءهم من سنوات طويلة، ولدينا أكثر من حالة لأسماء صدرت قرارات بتعيينهم، ثم سُحبت بعد ساعات قليلة!
لقد تفاقمت حالة الرقيب المتطوع عندما شعر أن ما يكتبه (يصل) وينتشر ويتحول إلى رأي عام ضاغط يثمر عن قرار يلامس هوى أولئك الرقباء، ولأن هوس «الترند» ينتشر كالوباء، فقد تحوّل مغردون ليس لهم في السياسة أو الشأن العام إلى رقباء متحمسين سعياً للشهرة وكسب المزيد من المتابعين.
في الختام، وصلنا إلى إصابة الكثير من أصحاب الرأي الوازن بمتلازمة التغريدة البيضاء، تجنّباً لرنة هاتف لا يريدونها، وكما قلنا، بالتأكيد هنالك مشكلة.