بعد انتهاء الصلاة، تبدأ في كثير من الأحيان مهمة أخرى لا تقل أهمية، إذ يلجأ المصلون إلى إمام المسجد لعرض مشكلات أسرية أو تربوية أو نفسية، طلباً للنصح والتوجيه. فقد يشكو أحدهم خلافاً زوجياً، أو يبحث آخر عن حل لمشكلة ابنه، أو تستعين أمّ بالإمام لمواجهة تحديات أسرية معقّدة.

وبحكم قربه من الناس وثقتهم به، أصبح الإمام من أكثر الشخصيات احتكاكاً بقضايا المجتمع اليومية، ولم يعُد دوره يقتصر على الفتوى أو إمامة الصلاة، بل امتد إلى الإرشاد والتوجيه في قضايا تمسّ استقرار الأسرة والمجتمع. وهنا يبرز سؤال مهم: هل يكفي التأهيل الشرعي وحده للتعامل مع قضايا الطلاق والعنف الأسري والإدمان والمشكلات النفسية والتربوية التي أصبحت من أبرز تحديات عصرنا؟ إن الدعوة إلى تدريب الأئمة لا تعني تحويلهم إلى اختصاصيين نفسيين أو اجتماعيين، وإنما تزويدهم بالحد الأدنى من المهارات التي تساعدهم على فهم طبيعة المشكلات، وحُسن الاستماع، والتواصل الفاعل، ومعرفة متى يقدّمون النصح، ومتى يحيلون الحالات إلى الجهات المختصة. فالإمام غالباً هو أول مَن يسمع بالمشكلة، وأحياناً الشخص الوحيد الذي يحظى بثقة أصحابها في مراحلها الأولى، مما يجعله شريكاً مهماً في الوقاية والتدخُّل المبكر. لذلك، أصبح تأهيل الأئمة في مجالات الإرشاد الأسري، والصحة النفسية، ومهارات التواصل، وفهم القضايا الاجتماعية المعاصرة، ضرورة تفرضها احتياجات المجتمع، لا مجرّد خيار تدريب. وقد أثبتت تجارب عدد من الدول، ومنها المغرب، أهمية توسيع برامج إعداد الأئمة لتشمل العلوم النفسية والاجتماعية ومهارات الإرشاد، إدراكاً لأن الإمام يؤدي دوراً مؤثراً في تعزيز التماسك المجتمعي والوقاية من المشكلات قبل تفاقمها. وفي الكويت، تتوافر الخبرات الأكاديمية والمهنية القادرة على تصميم برامج تدريب تراعي خصوصية المجتمع وقيمه، وتمكّن الأئمة من أداء رسالتهم بكفاءة أكبر.

إن الاستثمار في تأهيل إمام المسجد هو استثمار في استقرار الأسرة والمجتمع، فكل أسرة تُحمى من التفكك، وكل شاب يُحتوى قبل الانحراف، وكل أزمة تُعالج في بدايتها، يمثّل مكسباً وطنياً واجتماعياً. لقد ظل المسجد عبر التاريخ منارة للعلم والإصلاح، واليوم تزداد الحاجة إلى تمكين الإمام من أدوات معرفية ومهارية تعينه على أداء هذا الدور المتجدد، بما يعزّز رسالته الدينية والاجتماعية، ويُسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً.

Ad