أصبح المواطن «كاف» أشبه بالكلب، ولا ندري أكان السبب في ذلك قلة النوم، نتيجة انشغاله الليلي بقطع أصابع الناس، أم كثرة الدعوات الحارة واللعنات المتصاعدة من قلوب ضحاياه الأبرياء، لكن المؤكد أن رأسه صار أكثر تربيعاً، وأنفه أطول، وعيناه أضيق، حتى إن العامل البنغالي، حين يدخل صباحاً إلى مكتبه حاملاً القهوة، لا يرى أمامه آدمياً يرتدي دشداشته جالساً خلف مكتب أكبر منه خمس مرات، بل يرى كلباً، فيعوي العامل وهو يقدم القهوة، ويعوي «كاف» رداً عليه.

وفي الآونة الأخيرة، كبرت تجارة مصنع الأصابع الصناعية، وكبر معها غرور المواطن «كاف». لم يعد ذلك الإنسان الساذج، طيب القلب، الذي كان يوماً يعشق الحـ(و)رية ويتغنّى بها، ولم يعد يكترث بمشروع «حيل لعلاج العلل» أو بتقديم النصح للمسؤولين للارتقاء بحال البلاد والعباد. أما اليوم، وبعد النجاح الباهر الذي حققه المصنع، فقد أصبح «كاف» من أصحاب العيار الثقيل: تُفتح له الأبواب، وتفرد له السجادة الحمراء، ويركض خلفه من يحمل له البشت، وآخر يصب له الدلة.

وهكذا صار «كاف» الحاضر نقيضاً لـ«كاف» السابق. بات يرى في تعاسة البلاد، ورداءة التعليم، وسخافة الصحف، وهشاشة الفن، وفشل الرياضة، واستحالة أبسط إجراء إداري، وطفح أسماك البحر، وإبادة الأرانب، واعتقال الغزلان، وخنوع الطيور، وتكاثر الكلاب المسعورة، وانتشار الفئران، وتغذية النميمة، وتسميم الغيوم، وتخوين الأحلام، وتمجيد الكوابيس، وإيقاف قطرات المطر على ذمة التحقيق... فرصاً ذهبية لمزيدٍ من قطع الأصابع ليلاً، وتوسعة قاعدة الأعمال نهاراً.

Ad

والأهم من ذلك أنه لم يعد مقتنعاً بحصيلته المتواضعة من الأرباح الطائلة للمصنع، فقرّر أن يواجه شركاءه، مطالباً إياهم بالتنازل عن بعض حصصهم له، بما يليق بجهوده ومقامه. فدار بينه وبينهم الحوار التالي:

— المدام: ألووو؟ بونجور؟

— كاف: أنا المدير «كاف».

— المدام (وهي تغني): وكافٍ وكفكاف وكفي بكفها*

— شلومو: كبر راسك، هاه؟

— كاف: أنا اللي أركض، وأقطع أصابع الناس، وأتلطخ بدمائهم، وأُشتم، ولولاي...

— شلومو: أنت منفّذ مهام فقط.

— كاف: أطالب بحصتي.

— شلومو: حصّتك ستأتيك.

— كاف: متى؟

— شلومو: حين تثبت أنك تستطيع قطع أصابع...

— كاف: لقد أثبتُّ ذلك. 

— المدام (وهي تغني): فكم كم وكم كم ثم كم كم وكم وكم*... 

— شلومو: ليس أصابع النساء فقط.

— كاف: ماذا بعد؟

— شلومو: أصابع الرجال.

— المدام (وهي تغني): وعن عن وعن عن ثم عن عن وعن وعن*...

وهكذا بات «كاف» يترصّد ضحاياه الجدد من الرجال، وبما أنهم - في نظره - قليلو فهم، ولا يؤمنون بمتطلبات الحداثة، فقد أُجبر على استخدام وسائل أكثر بدائية لإقناعهم بقطع أصابعهم. وفي هذه المرحلة بالذات، أفاده كثيراً تشابهه المتزايد مع الكلب فأصبح - عند تعثّر الحجة - يُشهِر أنيابه ويعضّ.

------------------------------------

* من أغنية «تعلق قلبي طفلةً عربية» لهيام يونس.